حين يخاف السياسي من الكفاءة: يريدونك تابعا… فإذا رفضت حاولوا التقليل منك
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية
في السياسة، كما في غيرها من مجالات الحياة، لا يخاف بعض من اعتادوا احتكار الواجهة من الخصوم بقدر ما يخافون من الكفاءات التي لا تحتاج الى وصاية، ومن الشخصيات التي تمتلك القدرة على التفكير المستقل، والاختلاف باحترام، والعمل دون انتظار مقابل او موقع. فالمشكلة بالنسبة الى بعض السياسيين ليست في وجود منافس صريح، وانما في وجود شخص لا يقبل ان يكون تابعا، ولا يرى في العمل السياسي مناسبة للتنازل عن شخصيته او قناعاته او طموحه من اجل ان يبقى مقبولا داخل دائرة معينة.
وهنا تبدأ واحدة من اكثر الظواهر ازعاجا في الحياة السياسية: حين يصبح المطلوب من الكفاءة ان تصمت، ومن صاحب الرأي ان يتراجع، ومن المستقل ان يتحول الى تابع، ومن الطموح ان يخفض سقف طموحه حتى لا يزعج من اعتادوا ان تكون الصورة لهم وحدهم.
لا يريد بعض السياسيين شركاء حقيقيين، بل يريدون محيطا يضمن استمرار حضورهم. يريدون من يصفق، ومن يوافق، ومن يبرر، ومن يظل في الصف الذي رسموه له. اما عندما يظهر شخص يمتلك تكوينا حقيقيا، وتجربة سياسية، وقدرة على النقاش، ورؤية خاصة به، فان بعضهم يبدأ في التعامل معه باعتباره مشكلة ينبغي احتواؤها قبل ان يصبح رقما صعبا في المعادلة.
وهنا تصبح الكفاءة، paradoxalement، مصدر ازعاج بدل ان تكون مصدر قوة للمؤسسة.
والاغرب ان هذا النوع من السياسيين قد يتحدث كثيرا عن ضرورة تشبيب النخب وتجديد الحياة السياسية، لكنه عندما يظهر شاب او كفاءة جديدة لا تحتاج الى صناعته او تقديمه او توجيهه، يبدأ في البحث عن الطريقة التي يمكن بها تقليص حضوره. فالتجديد يصبح مقبولا فقط عندما يكون تحت السيطرة، والكفاءة مرحبا بها فقط عندما لا تهدد التراتبية القائمة.
وهذا ليس تجديدا.
هذا اعادة انتاج للقديم بوجوه جديدة.
في السياسة الصحية، لا ينبغي ان يكون نجاح شخص تهديدا لشخص اخر. صعود الكفاءة لا يعني بالضرورة سقوط احد. وظهور شخصية جديدة لا يعني ان الشخصيات الموجودة مطالبة بالاختفاء. المؤسسة القوية هي التي تتسع للجميع، وتستفيد من تعدد الخبرات، وتسمح بالتنافس الشريف، وتدرك ان قوة الحزب او التنظيم لا تقاس بقدرة شخص واحد على احتكار المشهد، وانما بقدرته على انتاج قيادات وكفاءات متعددة.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف الى تهمة.
وعندما يصبح الاستقلال في التفكير تمردا.
وعندما يتحول رفض التبعية الى خصومة.
وعندما يصبح احترام القيادة مرادفا للصمت.
وهنا يجب ان نقول بوضوح: هناك فرق بين الانضباط والتبعية، وبين احترام المؤسسة والتنازل عن الشخصية، وبين الالتزام التنظيمي ومصادرة حرية التفكير.
السياسي الذي يحترم مؤسسته لا يحتاج الى ان يلغي شخصيته.
والمناضل الذي يحترم حزبه لا يحتاج الى ان يلغي عقله.
والذي يختلف بأدب لا يصبح خصما.
والذي يرفض ان يكون تابعا لا يتحول تلقائيا الى متمرد.
بل ان استقلالية التفكير هي في كثير من الاحيان احدى علامات النضج السياسي.
وقد يكون السبب في ان بعض الكفاءات تفضل الصمت امام محاولات التقليل منها هو التربية والاخلاق والتكوين. فليس كل استفزاز يحتاج الى رد، وليس كل محاولة لتشويه الصورة تستحق معركة، وليس كل كلمة قيلت في حقك تستدعي ان تنزل الى المستوى نفسه.
هناك من يختار الرد بالكلام.
وهناك من يختار الرد بالعمل.
والفرق بين الاثنين ان العمل يحتاج الى وقت، لكنه اكثر قدرة على البقاء.
قد يستطيع شخص ان يقلل من طموحك امام مجموعة من الناس.
وقد يستطيع ان يشكك في تجربتك.
وقد يحاول ان يصورك على انك تبحث عن موقع.
وقد يفسر استقلاليتك باعتبارها رغبة في التمرد.
لكن لا احد يستطيع ان يمحو سنوات من التكوين، ولا ان يلغي تجربة راكمتها، ولا ان يغير حقيقة ما قدمته، ولا ان يصادر مستقبلك اذا كنت قادرا على مواصلة الطريق.
وهنا تظهر قيمة الزمن.
فالزمن السياسي لا يجامل احدا.
قد ينجح شخص اليوم في احتكار الصورة، وقد ينجح غدا في اقناع البعض بروايته، وقد يستطيع لفترة ان يحجب كفاءة صاعدة، لكن الزمن يملك قدرة نادرة على اعادة ترتيب الصورة ووضع كل شخص في المكان الذي يستحقه.
ولهذا فان الكفاءة الحقيقية لا تحتاج دائما الى معركة للدفاع عن نفسها.
الذي يمتلك التكوين يعرف قيمة تكوينه.
والذي يمتلك التجربة يعرف قيمة تجربته.
والذي يثق في مساره لا يحتاج الى ان يهدم مسار غيره حتى يثبت نفسه.
ومن المؤسف ان تتحول بعض العلاقات السياسية الى منافسة شخصية، فيصبح نجاح الاخر سببا للقلق، وظهوره سببا للتوتر، وطموحه سببا لمحاولة تطويقه.
لكن السياسة ليست ملكا لاحد.
والحزب ليس مزرعة شخصية.
والتنظيم ليس دائرة مغلقة.
والمؤسسة لا ينبغي ان تتحول الى مساحة يحدد فيها شخص واحد من يصعد ومن يتراجع ومن يتحدث ومن يصمت.
فالسياسة في جوهرها تعدد وتنافس واختلاف وتداول.
ومن يخاف من الكفاءة لا يخاف في الحقيقة من الشخص نفسه، بل يخاف مما يمكن ان تمثله هذه الكفاءة من تغيير في موازين القوة.
وهنا بالضبط يجب ان تكون المؤسسات السياسية يقظة.
لان اخطر ما يمكن ان يحدث للحزب ليس ان يظهر داخله شخص قوي، وانما ان يصبح قويا فقط عندما يكون تابعا، وضعيفا عندما يكون مستقلا.
الحزب القوي هو الذي يستطيع ان يستوعب الشخصيات المختلفة، وان يحول التنافس الداخلي الى طاقة للعمل، لا الى حرب لتصفية الحسابات.
وهو الذي يدرك ان القيادات لا تبنى بالاقصاء، وان الكفاءات لا تصنع بالوصاية، وان المستقبل لا يمكن ان يبنى بعقلية الماضي.
وفي هذا السياق، فان من حق كل شخص دخل العمل السياسي ان تكون له شخصيته وطموحه ورؤيته. ومن حقه ايضا ان يحلم بموقع اكبر اذا كان يرى في نفسه القدرة على تحمل المسؤولية. الطموح ليس عيبا، بل هو شرط من شروط التقدم. والعيب هو ان يتحول الطموح الى وسيلة لاقصاء الاخرين او ان يتحول خوف الاخرين من الطموح الى محاولة لخنقه.
ولا ينبغي ان يطلب من شخص يمتلك تكوينا اكاديميا وتجربة سياسية ان يتنازل عن قيمته حتى يشعر اخر بالامان.
كما لا ينبغي ان يطلب من صاحب الكفاءة ان يصغر نفسه حتى لا يبدو كبيرا في عيون من حوله.
في السياسة، كما في الحياة، هناك اشخاص يفضلون ان تكون الى جانبهم نسخة مصغرة منهم، لا شخصا يمتلك شخصيته الخاصة. وهؤلاء لا يبحثون عن شركاء، بل عن امتداد لهم.
لكن السياسة التي تقوم على النسخ لا تنتج مستقبلا.
السياسة التي تنتج المستقبل هي التي تسمح بتعدد الشخصيات والافكار، وتعرف كيف تستفيد من اختلافها.
ومن هنا، فان تجديد النخب لا يعني فقط تغيير الاعمار، بل تغيير العقليات.
لا يكفي ان ندخل وجوها جديدة الى المؤسسات اذا كنا نريد منها ان تفكر بالطريقة نفسها.
ولا يكفي ان نتحدث عن الشباب اذا كنا نريد منهم ان يكونوا مجرد واجهة.
ولا يكفي ان نرفع شعار الكفاءة اذا كانت الكفاءة مطالبة دائما بان تنتظر اذن احد كي تظهر.
الكفاءة تحتاج الى فرصة.
والفرصة تحتاج الى مؤسسة عادلة.
والمؤسسة العادلة تحتاج الى ثقافة سياسية تؤمن بأن نجاح شخص ليس بالضرورة هزيمة لشخص اخر.
وهذا هو جوهر المنافسة الديمقراطية.
ان المشكلة ليست في ان يكون لك طموح.
وليست في ان تكون لك شخصية مستقلة.
وليست في ان تمتلك رؤية تختلف عن رؤية غيرك.
المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يحاول شخص ان يجعل من نفسه معيارا وحيدا للنجاح، ومن موقعه السياسي سقفا لطموحات الاخرين.
فاذا كنت لا تريد ان تكون تابعا، لا يعني ذلك انك تريد ان تكون قائدا مكانه.
قد يعني ببساطة انك تريد ان تكون نفسك.
وهذا حق لا يحتاج الى اعتذار.
وقد يكون احترامك للاخر هو الذي يمنعك من الرد على محاولاته التقليل منك بالمثل. وقد يكون ايمانك بالتربية والاخلاق هو الذي يجعلك تختار الصمت عندما يكون الرد سهلا. لكن الصمت لا يعني الاستسلام، والهدوء لا يعني الضعف، والادب لا يعني العجز.
في بعض الاحيان، افضل رد على من يحاول التقليل منك هو ان تواصل بناء نفسك.
اقرأ اكثر.
تعلم اكثر.
اعمل اكثر.
قدم اكثر.
واترك للوقت مهمة المقارنة.
فالتاريخ السياسي لا يحتفظ طويلا بالضجيج، لكنه يحتفظ بالاثر.
ولا يحتفظ دائما بمن كان اكثر صراخا، بل بمن كان اكثر قدرة على العمل والانجاز.
ومن هنا، فان الايام المقبلة وحدها ستكشف الكثير.
ستكشف من كان يملك مشروعا حقيقيا، ومن كان يملك فقط رغبة في احتكار الصورة.
ستكشف من كان يبحث عن خدمة المؤسسة، ومن كان يبحث عن خدمة موقعه.
وستكشف من كان يرى في الكفاءة فرصة، ومن كان يراها تهديدا.
ولذلك لا حاجة الى استعجال المعارك، ولا الى الرد على كل محاولة للتقليل من شأنك.
هناك معارك يحسمها الكلام، وهناك معارك يحسمها القانون، وهناك معارك يحسمها العمل، وهناك معارك لا يحسمها الا الزمن.
واذا كان بعض السياسيين يعتقدون انهم يستطيعون رسم مستقبل الاخرين، فعليهم ان يتذكروا ان المستقبل ليس ملكا لاحد.
فقد تستطيع ان تمنح فرصة.
وقد تستطيع ان تحجب فرصة.
وقد تستطيع ان تؤخر شخصا.
لكن لا تستطيع ان تمنع المستقبل من الوصول.
وفي النهاية، السياسة ليست مكانا لصناعة التابعين، بل فضاء لصناعة الرجال والنساء القادرين على تحمل المسؤولية. والاحزاب التي تخاف من كفاءاتها لا تخسر اشخاصا فقط، بل تخسر جزءا من مستقبلها.
اما الكفاءة التي تحترم نفسها، فلا تحتاج الى ان تهدم احدا لكي ترتفع، ولا تحتاج الى ان تدخل في صراع دائم لتثبت وجودها.
يكفيها ان تعرف من هي، ماذا قدمت، وماذا تستطيع ان تقدم.
لان من يملك التكوين والتجربة والطموح لا يحتاج الى محاربة احد كي يثبت نفسه. قد يتأخر الاعتراف، وقد يعلو الضجيج لبعض الوقت، لكن الايام وحدها قادرة على فرز الحقيقة من الادعاء، ووضع كل مسار في مكانه الطبيعي.