الموقف السياسي أم الموقع السياسي؟ حين يصنع الموقف معنى السياسة

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري — باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية

في السياسة، كثيرا ما نخلط بين مفهومين متقاربين في الظاهر، مختلفين في الجوهر: الموقف السياسي والموقع السياسي. الأول يتعلق بما يؤمن به السياسي، وما يدافع عنه، وما يرفضه، وما يعتبره منسجما مع مبادئه وتصوراته للشأن العام. أما الثاني فيرتبط بالمكان الذي يوجد فيه داخل الخريطة السياسية: في الحكومة أو المعارضة، في الأغلبية أو خارجها، داخل المؤسسة أو خارجها. وبين المفهومين مسافة دقيقة، لكنها حاسمة، لأن السياسة لا تقاس فقط بالمكان الذي يحتله السياسي، وإنما بالموقف الذي يمنح لذلك المكان معنى وقيمة.

قد يتغير الموقع السياسي دون أن يتغير الموقف. وقد يتغير الموقع لأن الظروف السياسية تغيرت، أو لأن التحالفات أعيد ترتيبها، أو لأن موازين القوى فرضت واقعا جديدا. لكن الموقف، في معناه السياسي العميق، يفترض قدرا من الاستمرارية والوضوح. ولذلك فإن السياسي الذي يجعل موقعه مصدرا لموقفه يجد نفسه معرضا لتحويل السياسة إلى مجرد تموضع، بينما السياسي الذي يجعل موقفه منطلقا لموقعه يحافظ على قدر أكبر من الاستقلال في ممارسة الفعل السياسي.

الموقع إذن ليس هو السياسة، وإنما هو أحد شروط ممارستها. قد يكون السياسي داخل الحكومة، لكن ذلك لا يحدد وحده طبيعة مواقفه. وقد يكون في المعارضة، لكن المعارضة ليست موقفا سياسيا في حد ذاتها، بل موقع مؤسساتي يمكن أن تتعدد داخله المواقف والرؤى. وبالمثل، فإن الانتماء إلى الأغلبية لا يعني بالضرورة امتلاك رؤية سياسية واحدة، كما أن الوجود خارجها لا يعني بالضرورة اتخاذ موقف واحد من كل القضايا.

هذه التفرقة تبدو بسيطة، لكنها تحمل دلالة عميقة على مستوى الممارسة السياسية. فعندما يصبح الموقع هو الذي يصنع الموقف، تتحول السياسة تدريجيا إلى لعبة مواقع: من نحن مع من؟ من داخل الحكومة؟ من خارجها؟ من في الأغلبية؟ ومن في المعارضة؟ وفي هذه الحالة يصبح السؤال عن مضمون السياسة مؤجلا لصالح السؤال عن موقع السياسي داخل هندستها.

أما عندما يكون الموقف هو الذي يصنع الموقع، فإن المعادلة تنقلب. يصبح الموقع نتيجة لمجموعة من القناعات والاختيارات، وليس بديلا عنها. ويصبح الانتقال من موقع إلى آخر قابلا للتفسير السياسي، لا مجرد انتقال في المواقع والمصالح.

وهنا تحديدا تكمن إحدى القواعد الأساسية للفعل السياسي: السياسي الحقيقي لا يبدأ من السؤال أين سأكون؟ وإنما من السؤال ماذا أريد أن أقول، وماذا أريد أن أدافع عنه، وما الذي أستطيع أن أتحمل مسؤوليته؟

فالموقف السياسي ليس مجرد تصريح إعلامي، ولا جملة تقال في لحظة معينة، ولا تعبيرا ظرفيا تفرضه الحسابات السياسية. الموقف، في معناه المؤسساتي، هو اختيار يتحمل صاحبه تبعاته. ولذلك فإن قيمة الموقف لا تقاس فقط بوضوحه، وإنما كذلك بقدرته على الصمود عندما تتغير الظروف وتتبدل المواقع.

السياسة بطبيعتها تقوم على التفاوض والتسويات والتحالفات، وهذا أمر لا يمكن تجاهله. وليس كل تغيير في الموقف دليلا على التناقض، كما أن كل تسوية لا تعني بالضرورة التخلي عن المبادئ. فالسياسة ليست مجالا للثبات المطلق، وإنما هي فن إدارة الاختلاف وتحويل التعدد إلى إمكان للفعل الجماعي. لكن الفرق يبقى قائما بين التكيف السياسي الذي تحكمه المصلحة العامة والمنطق المؤسساتي، وبين تبديل المواقف فقط لأن الموقع تغير.

من هنا، يصبح الموقف السياسي نوعا من رأس المال الرمزي للفاعل السياسي. فالموقع يمكن أن يمنح صاحبه سلطة مؤسساتية، لكن الموقف هو الذي يمنحه القدرة على إنتاج المعنى السياسي. الموقع قد يتيح الوصول إلى القرار، أما الموقف فيحدد ماذا سيفعل صاحبه بهذه القدرة، ولماذا، وبأي مرجعية.

وهذا المعنى يكتسب أهمية أكبر داخل الأحزاب السياسية. فالحزب لا ينبغي أن يكون مجرد إطار لتوزيع المواقع، وإنما فضاء لإنتاج الأفكار والمواقف والبرامج. وإذا أصبحت قيمة العضوية الحزبية تقاس أساسا بالقرب من موقع القرار، فإن الحزب يخاطر بفقدان وظيفته الأساسية كوسيط بين المجتمع والدولة وكفاعل في إنتاج البدائل السياسية.

لذلك فإن قوة الحياة الحزبية لا تقاس فقط بعدد المواقع التي تحتلها الأحزاب داخل المؤسسات، وإنما أيضا بقدرتها على إنتاج مواقف واضحة من القضايا الكبرى التي تشغل المجتمع. فالحزب الذي يمتلك موقعا دون موقف قد يكون حاضرا في المؤسسة، لكنه يظل محدود القدرة على التأثير في النقاش العام. أما الحزب الذي يمتلك موقفا واضحا، فيستطيع أن يحتفظ بتأثيره حتى عندما يتغير موقعه.

والأمر نفسه ينطبق على البرلماني والسياسي والمسؤول العمومي. فالموقع يمنح الصلاحية، لكنه لا ينتج بالضرورة الرؤية. والمنصب يوفر إمكانية التأثير، لكنه لا يعفي صاحبه من الحاجة إلى موقف مؤسس على تصور واضح للمصلحة العامة. ولذلك فإن الانتقال من المعارضة إلى الحكومة، أو من الأغلبية إلى المعارضة، ينبغي ألا يعني الانتقال الآلي من موقف إلى نقيضه، بل إعادة ترتيب أدوات العمل السياسي بما يتناسب مع الموقع الجديد.

ومن زاوية القانون الدستوري، تبدو المسألة أكثر وضوحا. فالمواقع السياسية والمؤسساتية محددة بقواعد واختصاصات، لكن الممارسة السياسية داخل هذه المؤسسات تظل مرتبطة بالاختيارات والمواقف. الدستور يحدد الإطار، والمؤسسات تحدد الاختصاص، أما السياسة فتبدأ عندما يختار الفاعل كيف يمارس ذلك الاختصاص ولأي غاية وفي أي اتجاه.

لهذا السبب، فإن الموقع السياسي ينبغي أن يكون نتيجة للموقف، وليس بديلا عنه. فالسياسي الذي يبدأ من الموقع قد يجد نفسه مضطرا إلى تبرير الموقع مهما تغيرت الظروف، بينما السياسي الذي يبدأ من الموقف يستطيع أن يفاوض ويتحالف ويختلف دون أن يفقد بالضرورة بوصلته السياسية.

ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب السياسة هو أن تتحول المواقع إلى غاية في ذاتها. عندها يصبح الوصول إلى الحكومة أهم من السؤال عن البرنامج، ويصبح الحفاظ على الموقع أهم من الدفاع عن الموقف، وتصبح التحالفات غاية مستقلة عن مضمونها السياسي. وفي هذه الحالة، تفقد السياسة جزءا من معناها كمجال للصراع السلمي حول الأفكار والمصالح والاختيارات المجتمعية.

إن السياسة، في جوهرها، ليست مجرد هندسة للمواقع، وإنما هي إنتاج مستمر للمواقف. والموقع السياسي قد يتغير بفعل الانتخابات أو التحالفات أو التحولات المؤسساتية، لكن ما يبقى هو قدرة السياسي على تقديم تفسير مقنع لاختياراته، والدفاع عنها، وتحمل نتائجها.

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس فقط: أين يوجد السياسي؟ بل أيضا: أين يقف؟

فالوجود في موقع معين يجيب عن سؤال المكان، بينما الموقف يجيب عن سؤال المعنى.

وفي النهاية، قد تتغير المواقع السياسية، وقد تتبدل الأغلبية والمعارضة، وقد تتغير التحالفات والاصطفافات، لكن السياسة لا تستقيم من دون مواقف تمنح لهذه التحولات معناها. ولذلك فإن الموقف هو الذي يصنع السياسي، أما الموقع فلا يصنع إلا عنوانا مؤسساتيا له.

والسياسي الذي يعرف موقعه ولا يعرف موقفه قد يكون حاضرا في المشهد، لكنه لا يصنعه. أما من يمتلك موقفا واضحا، فإنه يستطيع أن يغير موقعه دون أن يفقد هويته السياسية.

في السياسة، الموقع قد يمنحك مكانا، لكن الموقف هو الذي يمنحك معنى.