من البروتوكول إلى جوهر السياسة: حين تخطف الصورة انتباهنا من الخطاب
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري — باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية
ليست كل حركة في الفضاء السياسي مجرد تفصيل عابر، كما أن ليست كل صورة دليلا على موقف سياسي مكتمل. ففي المؤسسات التي تحكمها التقاليد والأعراف والبروتوكولات، قد يتحول سلوك بسيط إلى موضوع للنقاش العام، لا بسبب حجمه في حد ذاته، وإنما بسبب السياق الذي وقع فيه، والموقع الذي يشغله صاحبه، والرمزية التي تحيط بالمؤسسة التي احتضنته. وهذا ما يجعل الجدل الذي أثارته طريقة جلوس عزيز أخنوش خلال افتتاح البرلمان مناسبة للتفكير في العلاقة بين البروتوكول والسياسة، وبين الصورة والتأويل، وبين الحدث العابر ودلالته المؤسساتية.
في الحياة الدستورية، لا يؤدي البروتوكول وظيفة شكلية فقط؛ فهو ينظم المراسم، ويحدد قواعد التمثيل، ويعكس قدرا من الاحترام للمؤسسات ولطبيعة المناسبات الرسمية. غير أن احترام البروتوكول لا ينبغي أن يتحول إلى محاكمة للنوايا، كما لا ينبغي أن تصبح كل حركة جسدية مدخلا لإنتاج روايات سياسية لا تسندها معطيات واضحة. فالمشهد قد يكون قابلا للملاحظة، أما القصد الكامن وراءه فيظل مسألة أخرى تحتاج إلى قرائن، لا إلى التخمين وحده.

لقد أظهرت الواقعة، بصرف النظر عن تفسيرها، كيف يمكن لتفصيل بصري أن ينتزع مساحة واسعة من النقاش، بينما يتراجع مضمون الخطاب الذي انعقدت المناسبة للاستماع إليه. وهنا تكمن المفارقة: نذهب إلى المؤسسات من أجل ما تقوله، ثم ننشغل بما تلتقطه الكاميرات. وتتحول الصورة، بفعل سرعة تداولها، إلى حدث مستقل عن سياقه، ويصبح التأويل أحيانا أسرع من الفهم، والانطباع أقوى من النقاش.
ليس المقصود التقليل من أهمية السلوك في الحياة العامة، ولا إعفاء المسؤولين من مقتضيات الوقار الذي تفرضه المواقع الرسمية. فالمسؤول العمومي لا يتحرك في المجال العام بصفته الفردية فقط، بل يحمل معه رمزية المنصب ومسؤولية التمثيل. ومن ثم فإن سلوكه، ولا سيما في المناسبات الدستورية، يظل قابلا للملاحظة والمساءلة المعنوية. لكن المساءلة الرصينة تقتضي التمييز بين ما نراه وما نستنتجه، وبين مخالفة بروتوكولية محتملة وبين موقف سياسي مقصود لا يمكن إثباته بمجرد حركة عابرة.
ومن زاوية العلوم السياسية، لا يمكن قراءة الإشارات الرمزية بمعزل عن السياق، لكن لا يجوز أيضا اختزال السياق كله في إشارة واحدة. فالتوترات الحزبية، وتغير مواقع الفاعلين، وإعادة ترتيب التحالفات، كلها عوامل قد تدفع الرأي العام إلى البحث عن رسائل خفية في التصرفات العلنية. ومع ذلك، فإن التحليل السياسي لا يقوم على افتراض أن كل حركة رسالة، ولا على اعتبار كل تفصيل إعلان تمرد أو علامة رضا؛ بل يقوم على فحص الوقائع، ومقارنتها بالسياق، والتمييز بين الاحتمال والاستنتاج.
وتزداد أهمية هذا التمييز حين يتعلق الأمر برئيس حكومة تصريف الأعمال أو بأي مسؤول يشغل موقعا في قمة التمثيل المؤسساتي. فالموقع السياسي يفرض مقتضيات تتجاوز الشخص، لكنه لا يمنح المراقب حق تحويل كل سلوك إلى حكم نهائي على صاحبه. كما أن التحولات في المواقع والتحالفات لا يمكن تفسيرها من خلال لغة الجسد وحدها، بل تحتاج إلى مواقف معلنة، وقرارات موثقة، ومسارات سياسية قابلة للتحليل.
غير أن القضية الأهم ليست طريقة جلوس مسؤول بعينه، بل ما تكشفه الواقعة عن طبيعة النقاش السياسي في زمن الصورة السريعة. فحين يحتل تفصيل بروتوكولي واجهة الاهتمام، يصبح من الضروري أن نسأل: هل نناقش الحدث لأنه يكشف بالفعل عن إشكال مؤسساتي، أم لأن الصورة أكثر جاذبية من مضمون الخطاب؟ وهل نمارس حقنا في مساءلة المسؤولين، أم نسمح للانطباع بأن يحل محل التحليل؟
إن الفرق بين الأمرين جوهري. فالمساءلة الديمقراطية تحتاج إلى الملاحظة الدقيقة، والحق في النقد، واحترام الوقائع. أما صناعة الضجيج فتكتفي أحيانا باللقطة، ثم تبني عليها قصة مكتملة عن النوايا والصراعات والمصائر السياسية. وبين النقد المسؤول والتأويل المتسرع مسافة ينبغي للكتابة السياسية أن تحافظ عليها، حتى لا تتحول من أداة للفهم إلى وسيلة لتكريس الانطباعات.
ومن هنا، فإن افتتاح البرلمان ينبغي أن يعيدنا أولا إلى مضمون الخطاب الملكي، وإلى ما يطرحه من قضايا وتوجهات ومسؤوليات، ثم إلى موقع المؤسسة التشريعية في ترجمة التوجيهات الدستورية إلى نقاش وتشريع ومراقبة. فالمناسبة ليست مجرد مشهد رسمي، بل محطة من محطات الحياة الدستورية، وتكمن أهميتها في ما تفتحه من أسئلة حول السياسات العمومية، وأدوار المؤسسات، ومسؤولية الفاعلين في تدبير الشأن العام.
لا يعني ذلك أن الشكل منفصل عن المضمون؛ فالمؤسسات تحتاج إلى الرمزية كما تحتاج إلى الفعل، ويكتسب البروتوكول قيمته من كونه تعبيرا عن احترام نظامها وأعرافها. لكن الشكل ينبغي ألا يبتلع المضمون، والصورة لا ينبغي أن تحل محل السياسة، والجدل حول السلوك لا ينبغي أن يصرف النظر عن مساءلة القرارات والاختيارات والنتائج.
في النهاية، قد تثير حركة واحدة نقاشا واسعا، وقد تتحول صورة إلى مادة للتأويل السياسي، لكن قيمة النقاش العام تقاس بقدرته على تجاوز اللقطة نحو فهم السياق، وعلى الانتقال من الحكم على النوايا إلى تحليل الوقائع. فليس كل ما تلتقطه الكاميرا هو جوهر الحدث، وليس كل ما يشغل الرأي العام هو بالضرورة ما يستحق أن يتصدر أولوياته.
إن احترام المؤسسات يبدأ من احترام رموزها، لكن احترام العقل السياسي يبدأ من ألا نسمح للصورة بأن تحجب المضمون. وبين بروتوكول الجلوس وجوهر الخطاب، يبقى الرهان الحقيقي هو أن نرى المشهد كاملا، لا أن نكتفي باللقطة التي صنعت الضجيج.