حين يفشل المسؤول ويدفع المواطن الفاتورة: هل أصبحت السياسة في المغرب بلا ثمن؟

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري — طالب باحث في سلك الدكتوراه في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية

ليست أخطر أزمات السياسة أن تتعثر البرامج الحكومية، أو أن تتأخر المشاريع عن مواعيدها، أو أن تختلف الأغلبية والمعارضة حول تشخيص الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. فهذه ظواهر مألوفة في الأنظمة الديمقراطية، وتدخل ضمن طبيعة التدافع السياسي وتباين الاختيارات العمومية. لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما يصبح الفشل بلا كلفة سياسية، وعندما تتحول المسؤولية من التزام دستوري وأخلاقي إلى مجرد منصب إداري، وعندما يجد المواطن نفسه في نهاية المطاف مطالبا بتحمل نتائج قرارات لم يشارك في صياغتها، ولا يملك سلطة مباشرة لتصحيح مسارها.

في المغرب، يفرض الواقع السياسي والاجتماعي إعادة طرح سؤال جوهري: من يتحمل مسؤولية الفجوة المتزايدة بين الوعود الانتخابية وانتظارات المواطنين؟ ولماذا يبدو أحيانا أن الخطاب السياسي يتقدم بسرعة أكبر من الإنجاز العمومي؟ وكيف يمكن إقناع المواطن بجدوى المشاركة السياسية، إذا كان لا يرى أثرا ملموسا لصوته في تحسين شروط حياته اليومية؟

إن المسألة لا تتعلق بمجرد اختلاف في تقييم أداء الحكومة، ولا برغبة المعارضة في تسجيل نقاط سياسية على حساب الأغلبية، بل تتصل بطبيعة العلاقة بين السلطة والمسؤولية والمحاسبة. فالدولة الحديثة لا تقاس فقط بقدرتها على إعلان البرامج وتعبئة الموارد، وإنما بمدى قدرتها على تحويل الاختيارات السياسية إلى نتائج قابلة للقياس والتقييم، وبمدى استعداد المؤسسات للاعتراف بالاختلالات وتصحيحها.

أولا: من شرعية الوصول إلى السلطة إلى شرعية الإنجاز… هل يكفي الفوز الانتخابي لتبرير الحصيلة؟

من منظور علم السياسة، تشكل المسؤولية السياسية إحدى الركائز الأساسية للشرعية الديمقراطية. فالانتخابات لا تمنح تفويضا مفتوحا للسلطة، بل تؤسس لعلاقة تعاقدية بين الناخبين والمنتخبين، قوامها الثقة والالتزام وإمكانية المحاسبة. ومن ثم، فإن الشرعية الانتخابية ليست صكا على بياض، بل هي شرعية متجددة ترتبط بمدى احترام الالتزامات وتحقيق النتائج والاستجابة للحاجات الاجتماعية.

وهنا يبرز الفرق بين شرعية الوصول إلى السلطة وشرعية ممارستها. فقد يصل الحزب إلى الحكومة عبر صناديق الاقتراع، ويحصل على أغلبية برلمانية تخوله تنفيذ برنامجه، لكن ذلك لا يعفيه من واجب تقديم الحصيلة وتفسير التعثرات وتحمل المسؤولية السياسية عن الاختيارات التي اتخذها. فالفوز الانتخابي يمنح حق التدبير، لكنه لا يلغي حق المجتمع في المساءلة.

إن السؤال الجوهري ليس ما إذا كانت الحكومة تملك أغلبية تساندها، بل ما إذا كانت هذه الأغلبية قادرة على إثبات أن اختياراتها أحدثت تغييرا ملموسا في حياة المواطنين. فالديمقراطية لا تقاس فقط بمن وصل إلى السلطة، وإنما أيضا بما أنجزه، وكيف أنجزه، ومدى خضوعه للمحاسبة.

ثانيا: لماذا لا يشعر المواطن بأثر المؤشرات الاقتصادية في حياته اليومية؟

إن إحدى الإشكالات التي تستحق النقاش هي ميل الخطاب السياسي أحيانا إلى تقديم المؤشرات الإيجابية بمعزل عن السياق الاجتماعي الذي يختبر فيه المواطن فعالية السياسات العمومية. فقد تعلن الحكومة عن ارتفاع نسب الاستثمار، أو تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية، أو إطلاق برامج اجتماعية جديدة، لكن المواطن يظل معنيا بسؤال أكثر مباشرة: هل تحسن دخلي؟ هل أصبح الحصول على العلاج والتعليم والسكن اللائق أكثر يسرا؟ هل تحسنت فرص الشغل؟ وهل يشعر بأن الخدمات العمومية أصبحت أكثر جودة وإنصافا؟

إن المؤشرات الاقتصادية الكلية مهمة، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على نجاح السياسات العمومية. فالنمو الاقتصادي، مهما بلغت نسبته، يفقد جزءا كبيرا من قيمته الاجتماعية إذا لم ينعكس على التشغيل وتوزيع الفرص وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية. كما أن ارتفاع حجم الاستثمار العمومي لا يعني بالضرورة نجاحه، ما لم يقترن بجودة الإنجاز، واحترام الآجال، ووضوح الأثر الاقتصادي والاجتماعي للمشاريع.

ومن هنا، يصبح من الضروري الانتقال من منطق الإعلان عن البرامج إلى منطق تقييم السياسات العمومية. وهذا الانتقال يقتضي اعتماد مؤشرات واضحة لا تقيس فقط حجم الاعتمادات المالية المرصودة، وإنما تقيس أيضا النتائج المحققة، والفئات المستفيدة، والكلفة النهائية، ومدى استدامة الأثر. فالمواطن لا يحتاج إلى معرفة عدد المشاريع التي أعلنت عنها الحكومة بقدر ما يحتاج إلى معرفة عدد المشاريع التي اكتملت، وجودة الخدمات التي أنتجتها، والفرص التي وفرتها.

ثالثا: هل تحول التواصل الحكومي إلى بديل عن المحاسبة؟

تتجلى خطورة غياب منطق التقييم في إمكانية تحول التواصل الحكومي إلى بديل عن التقييم الموضوعي. فعوض أن يكون التواصل وسيلة لشرح السياسات وتقديم المعطيات وتوضيح الصعوبات، قد يتحول إلى ممارسة دفاعية تنشغل بتبرير الاختيارات أكثر من انشغالها بفحص نتائجها.

وفي المقابل، قد تنزلق المعارضة إلى الاكتفاء بالنقد العام دون تقديم بدائل قابلة للتنفيذ. وفي الحالتين، يخسر المواطن حقه في نقاش سياسي جاد، يتجاوز منطق التراشق اللفظي نحو منطق التنافس حول الحلول.

إن التواصل السياسي الناجح لا يقوم على تكرار الإنجازات المعلنة، بل على تقديم معطيات قابلة للتحقق، والاعتراف بالتأخر حين يقع، وشرح أسباب الاختلال، وتحديد الإجراءات التصحيحية. فالثقة لا تصنعها كثافة التصريحات، وإنما تصنعها مصداقية المعلومة والقدرة على الوفاء بالالتزامات.

رابعا: أين البرلمان من مراقبة الحكومة وترتيب المسؤوليات؟

أما البرلمان، باعتباره مؤسسة دستورية للتشريع ومراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية، فيفترض أن يكون في قلب هذه المعادلة. فوظيفته الرقابية لا ينبغي أن تختزل في الأسئلة الشفوية أو المواقف الحزبية الظرفية، بل يجب أن تمتد إلى فحص مدى تنفيذ البرامج الحكومية، ومقارنة التعهدات بالنتائج، ومساءلة المسؤولين عن الاختلالات التي تكشفها التقارير الرقابية.

فالأغلبية مطالبة بالدفاع عن اختيارات الحكومة بالحجة والبيانات، والمعارضة مطالبة بممارسة رقابة مسؤولة وتقديم بدائل واقعية، والمؤسسة التشريعية مطالبة بضمان أن تكون المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة.

إن قوة البرلمان لا تقاس بعدد المداخلات أو حدة المواجهات السياسية، بل بقدرته على تحويل الرقابة إلى أثر مؤسساتي، وعلى جعل الحكومة تقدم أجوبة دقيقة بشأن السياسات والبرامج والموارد والنتائج. فالمراقبة البرلمانية ليست خصومة مع الحكومة، وإنما ممارسة دستورية تروم تحسين الأداء العمومي وضمان احترام الالتزامات.

خامسا: هل تكفي التقارير الرقابية إذا لم تتحول إلى قرارات تصحيحية؟

وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال دور المؤسسات الرقابية، وفي مقدمتها المجلس الأعلى للحسابات، باعتبارها فاعلا أساسيا في تعزيز الشفافية وتقييم تدبير المال العام. غير أن قيمة التقارير الرقابية لا تقاس بمجرد صدورها، بل بمدى تفاعل المؤسسات المعنية مع توصياتها، وبمدى تحويل الملاحظات المسجلة إلى إجراءات تصحيحية، وبمدى ترتيب المسؤوليات وفق المساطر القانونية.

فالتقرير الذي لا يفضي إلى إصلاح يظل إنذارا مؤسساتيا لم يجد طريقه إلى الممارسة. كما أن نشر الملاحظات الرقابية دون تتبع مآلاتها قد يضعف الأثر العملي للرقابة، ويجعلها تبدو وكأنها محطة إدارية تنتهي بمجرد الإعلان عن نتائجها.

إن المطلوب هو بناء ثقافة مؤسساتية تجعل التوصيات الرقابية منطلقا لتصحيح الاختلالات، وتحسين طرق التدبير، وحماية المال العام، مع احترام قرينة البراءة والتمييز بين الخطأ التدبيري والمخالفة القانونية والجريمة التي تستوجب إثباتا ومساطر قضائية.

سادسا: هل كل فشل إداري فساد؟ وأين تبدأ المسؤولية السياسية؟

من زاوية القانون الدستوري، ينبغي التمييز بين المسؤولية السياسية والمسؤولية الإدارية والمسؤولية الجنائية. فليس كل تعثر في مشروع عمومي دليلا على فساد، وليس كل إخفاق في تدبير قطاع ما جريمة، كما أن الاختلاف في الاختيارات الحكومية لا يعني بالضرورة وجود مخالفة قانونية.

لكن هذا التمييز لا يجوز أن يتحول إلى ذريعة لإفراغ المسؤولية السياسية من مضمونها. فقد يكون القرار قانونيا، ومع ذلك يكون ضعيف التقدير أو محدود الفعالية أو مكلفا اجتماعيا، وهو ما يستوجب مساءلة سياسية وتقييما مؤسساتيا حتى في غياب أي شبهة جنائية.

إن المسؤولية السياسية أوسع من المسؤولية الجنائية؛ فهي ترتبط بمدى ملاءمة القرار العمومي، ونجاعة الاختيار، والقدرة على تحقيق الأهداف المعلنة. ولذلك، فإن الاعتراف بالإخفاق السياسي لا يعني بالضرورة اتهام المسؤول بارتكاب جريمة، بل يعني إخضاع أدائه للتقييم والنقاش العام وترتيب الآثار السياسية المناسبة.

سابعا: هل يؤدي غياب المحاسبة إلى إضعاف الثقة في المؤسسات؟

إن الديمقراطية لا تعني فقط أن يتولى الفائزون تدبير الشأن العام، بل تعني أيضا أن يظلوا خاضعين لرقابة المجتمع والمؤسسات. فالسلطة التي لا تقدم تفسيرا لقراراتها تضعف الثقة، والمسؤول الذي لا يتحمل نتائج اختياراته يساهم في تكريس ثقافة الإفلات من المحاسبة السياسية، والحزب الذي لا يراجع أداءه بعد التعثر الانتخابي أو الحكومي يفقد تدريجيا قدرته على تجديد نفسه واستعادة المصداقية.

ولعل أخطر ما يمكن أن ينتج عن هذا الوضع هو اتساع المسافة بين المواطن والمؤسسات. فعندما يشعر المواطن أن صوته لا يغير شيئا، وأن الوعود تتكرر دون نتائج كافية، وأن المسؤولية تتوزع بين المؤسسات والقطاعات والظروف دون أن تستقر عند جهة واضحة، تتراجع الثقة في الوساطة الحزبية والمؤسساتية، وتتقدم اللامبالاة السياسية بوصفها شكلا من أشكال الاحتجاج الصامت.

ولا يمكن معالجة هذا الاختلال بمجرد الدعوة إلى المشاركة في الانتخابات أو مطالبة الشباب بالانخراط في الأحزاب. فالمشاركة لا تبنى بالنداءات وحدها، بل تحتاج إلى مؤسسات تستحق الثقة، وأحزاب تقدم تصورات واضحة، وبرلمان يمارس اختصاصاته بفعالية، وحكومة تقبل التقييم والنقد، وإدارة تجعل خدمة المواطن معيارا لنجاحها.

ثامنا: ما البديل؟ من سياسة الوعود إلى ثقافة النتائج والمحاسبة

إن المطلوب اليوم هو الانتقال إلى تعاقد سياسي جديد قوامه الوضوح والقياس والمساءلة. تعاقد يفرض على كل قطاع حكومي نشر أهداف سنوية قابلة للتقييم، وتحديد آجال تنفيذ المشاريع، والإعلان عن الكلفة المالية والنتائج المحققة، وتوضيح أسباب التأخر أو التعثر.

كما يقتضي تعزيز آليات التقييم المستقل، وربط المسؤولية بالمخرجات الفعلية، وتطوير النقاش البرلماني ليصبح نقاشا حول الأثر الاجتماعي والاقتصادي للقرارات، لا مجرد تبادل للمواقف السياسية.

ولا يعني ذلك المطالبة بحكومة لا تخطئ، فهذه فكرة غير واقعية في تدبير الشأن العام، بل المطالبة بحكومة تعترف بالخطأ وتصححه، وبمؤسسات تراقب دون انتقائية، وبمعارضة تنتقد دون شعبوية، وبأحزاب تدرك أن السياسة ليست مجرد طريق إلى المناصب، وإنما مسؤولية في خدمة المجتمع.

إن المغرب لا يحتاج إلى مزيد من الخطابات التي تعد بكل شيء، بقدر ما يحتاج إلى سياسة عمومية واضحة الأولويات، قابلة للقياس، ومفتوحة أمام التقييم والمحاسبة. فالمواطن لم يعد يكتفي بسماع ما تنوي الحكومة فعله، بل يريد أن يعرف ما الذي أنجزته بالفعل، وما الذي تعثر، ولماذا تعثر، ومن يتحمل مسؤولية ذلك، وما هي الإجراءات المتخذة لتدارك الاختلالات.

خاتمة: من يدفع ثمن الفشل السياسي؟

فالسياسة التي لا يدفع فيها المسؤول ثمن الفشل سياسيا، يدفع المواطن ثمنها اجتماعيا واقتصاديا. والديمقراطية التي لا تتحول فيها المحاسبة إلى ممارسة فعلية، تخاطر بأن تصبح مجرد إجراء انتخابي يتكرر كل بضع سنوات، بينما تستمر الاختلالات خارج دائرة الجزاء.

إن السؤال الذي ينبغي أن يظل مفتوحا أمام الحكومة والأغلبية والمعارضة معا ليس من يملك الخطاب الأقوى، ولا من ينجح في تسويق الحصيلة الأفضل، بل من يستطيع أن يقدم للمغاربة نتائج ملموسة، وأن يتحمل مسؤوليته عندما لا تتحقق الوعود.

فالدولة القوية ليست تلك التي لا تعترف بإخفاقاتها، بل تلك التي تمتلك مؤسسات قادرة على كشفها وتصحيحها وترتيب المسؤوليات بشأنها. وعندما تصبح المحاسبة ثقافة سياسية ومؤسساتية، لا مجرد عبارة دستورية جميلة، يمكن للمواطن أن يستعيد ثقته في السياسة، وأن يدرك أن صوته ليس مجرد ورقة انتخابية، بل أداة لمراقبة السلطة وتوجيهها وتغييرها.

أما حين يفشل المسؤول ولا يسأل، ويدفع المواطن الفاتورة وحده، فإن الخاسر لا يكون حكومة بعينها أو حزبا بعينه، بل تكون الخسارة من نصيب الثقة في المؤسسات ومستقبل الممارسة الديمقراطية برمتها.