أحمد فطري يكشف سبب الاستقالة من حزب الوحدة والديمقراطية واختيار “البيجيدي”
قال أحمد فطري، الأمين العام السابق لحزب الوحدة والديمقراطية، إن قرار استقالته من الحزب لم يكن وليد لحظة عابرة أو “صفقة سياسية”، كما يروج البعض، بل جاء بعد سنوات طويلة من المعاناة المالية والتنظيمية والسياسية التي عاشها الحزب منذ تأسيسه، مؤكدا أنه “تحمل لوحده عبء الحزب لسنوات إلى أن وصل إلى مرحلة القهر والعجز”.
وأوضح فطري، في ندوة صحفية عقدها صباح اليوم الأربعاء بمقر حزب العدالة والتنمية بفاس، إن حزب الوحدة والديمقراطية ‘انتزع الاعتراف القانوني انتزاعا بعدما خاض مؤسسوه معركة شاقة استمرت سنتين داخل اللجنة التحضيرية، انتهت باللجوء إلى القضاء الإداري ابتدائيا واستئنافيا في مواجهة وزارة الداخلية، قبل أن يتم رفض الملف، ما اضطرهم إلى إعادة جمع التوقيعات من جديد على الصعيد الوطني”.
وتابع قائلا: “جمعنا 1200 توقيع للمرة الثانية، وكان ذلك أمرا صعبا جدا، لأن العمل كان يتم بإمكانيات بسيطة، لكننا كنا مقتنعين بمشروعنا السياسي، واستطعنا في النهاية انتزاع الاعتراف بالحزب سنة 2009”.
وأضاف أن السنوات الأولى للحزب كانت “سنوات عذاب حقيقي”، موضحا أنه كان يجوب رفقة الراحل العربي العزوزي مختلف مناطق المغرب من أجل جمع التوقيعات والتواصل مع المناضلين، على نفقتهما الخاصة.
وأكد المتحدث ذاته أنه “كنا نصرف من رزق أولادنا، ونجوب المغرب من أقصاه إلى أقصاه، إلى أن نظمنا المؤتمر التأسيسي سنة 2008 بحضور 1200 مؤتمر، وكل ذلك بإمكانياتنا الشخصية”.
وأشار إلى أن الحزب لم يتوصل بأي دعم عمومي طيلة السنوات الثلاث التي تلت الاعتراف القانوني به، وقال: “من يناير 2009 إلى انتخابات شتنبر 2011 لم نتوصل بدرهم واحد من الدعم، وكنا نشتغل فقط بمواردنا الذاتية”، موضحا أن فوز الحزب بمقعد برلماني بمدينة تازة خلال انتخابات 2011 منح التنظيم “نفسا جديدا”، قبل أن يحقق مقعدا ثانيا بأزيلال خلال انتخابات 2016، ما مكنه من الاستفادة من حد أدنى من الدعم العمومي.
غير أن الأمين العام السابق لحزب “الصنبور” اعتبر أن سنة 2021 شكلت “بداية الانهيار الحقيقي”، موضحا أن وفاة القيادي العربي العزوزي نهاية سنة 2020 كانت ضربة قاسية بالنسبة إليه على المستوى الإنساني والتنظيمي، وقال: “العربي العزوزي كان يدي اليمنى ماديا ومعنويا، وبوفاته انكسرت فعلا”، مضيفا أن الحزب تلقى ضربة ثانية بعد فشله في الظفر بأي مقعد خلال انتخابات 2021، ما أفقده شرط الاستفادة من الدعم العمومي، سيما بعد إخلاله بشرط إدراج امرأة من الجالية المغربية ضمن مرشحيه.
وشدد فطري على أنه “منذ 2021 ونحن نعيش الكفاف المطلق، لم تعد لدينا الإمكانيات حتى لتغطية المصاريف الأساسية التي تسمح بالقول إن لدينا حزبا قائما”، مؤكدا أنه “حين تغيب الإمكانيات ينفض الناس من حولك، لأنك لم تعد قادرا حتى على توفير مصاريف التنقل أو المبيت بالرباط”.
وكشف المتحدث ذاته أنه كان يؤدي من ماله الخاص المصاريف الشهرية للحزب، موضحا أيضا أنه كان يضطر إلى دفع ما بين 3 آلاف و8 آلاف درهم شهريا للحفاظ على الحد الأدنى من استمرارية الحزب، مسترسلا “أنا أستاذ تعليم عال متقاعد، ولا أتوفر على إمكانيات كبيرة، لكنني كنت مضطرا لتحمل العبء وحدي لأنني مؤسس الحزب”.
وانتقد فطري ما وصفه بـ”غياب الجدية” داخل بعض هياكل الحزب، قائلا إن عددا من أعضاء المكتب السياسي “صعدوا فقط لأخذ بطاقة العضوية”، مضيفا: “هناك أعضاء لا أعرف حتى وجوههم”.
وأكد أنه حاول في المؤتمر الذي عقد سنة 2022 إيجاد حل للأزمة المالية عبر اقتراح مساهمة سنوية إلزامية لأعضاء المكتب السياسي بقيمة 10 آلاف درهم، غير أن المقترح واجه اعتراضا قويا، قبل أن تخفض القيمة إلى 10 آلاف درهم في 4 سنوات، أي 2500 درهم في السنة، مشددا على أن نصف أعضاء المكتب السياسي لم يؤدوه.
وفي ما يتعلق بديون الحزب، كشف فطري أن التنظيم ما يزال مطالبا بإرجاع مبالغ مرتبطة بتمويل الانتخابات الأخيرة، موضحا أن الدين بلغ حوالي 13 مليون سنتيم، مبرزا بهذا الصدد: “تواصلت مع المجلس الأعلى للحسابات وقلت لهم إن هذا ظلم، لأن الأموال صرفت فعلا خلال الحملة الانتخابية، لكنهم أكدوا أن هذا هو القانون”، مضيفا أنه اضطر إلى أداء مليون ونصف الخاصة بالانتخابات التشريعية من جيبه الخاص “لإظهار حسن النية” للدولة، بينما ما تزال 11 مليون سنتيم معلقة إلى اليوم.
وأشار إلى أن الحزب أصبح يعيش حالة “شلل تنظيمي”، موضحا أن اجتماعات المكتب السياسي كانت تعقد عن بعد بسبب غياب الإمكانيات، وأن عددا من اللجان الحزبية لم تجتمع ولو مرة واحدة خلال أربع سنوات ونصف.
وبخصوص قرار التقارب مع حزب العدالة والتنمية، قال فطري إنه جاء بعد نقاش داخلي طويل ومحاولات متعددة لإنقاذ الحزب، مضيفا أنه اقترح في البداية فتح نقاش مع خمسة أحزاب سياسية قبل تقليصها إلى ثلاثة ثم حزبين، لكنه لم يجد تفاعلا من أعضاء مكتبه المسير.
وكشف فطري أنه “بحكم علاقتي الممتدة لأكثر من 30 سنة مع عبد الإله بنكيران، وعلاقتي بأعضاء المكتب السياسي للعدالة والتنمية، وجدنا أن الحزب الأقرب إلينا هو البيجيدي”، مضيفا أن خيار الاندماج القانوني مع العدالة والتنمية كان “شبه مستحيل” بسبب التعقيدات القانونية والتنظيمية، ما تركنا أمام حل وحيد هو حل حزب الوحدة والديمقراطية وترك الحرية للأعضاء للالتحاق بالتيار السياسي الذي يريدون.
وفي معرض رده على منتقديه، قال فطري إن بعض الذين هاجموه “اختفوا تماما عندما كان الحزب يغرق”، مضيفا: “الموتى الذين لم أعرفهم في المكتب السياسي تحركوا من قبورهم فقط عندما طرحت موضوع حل الحزب لأنهم خافوا على مصالحهم”.
وعن أسباب اختياره لحزب العدالة والتنمية بالذات، قال فطري إن الأمر يرتبط باعتبارات “فكرية ومبدئية وتنظيمية”، معتبرا أن الحزب “الأكثر تفعيلا للفصل السابع من الدستور”، مردفا: “معظم الأحزاب تنتظر الانتخابات فقط، بينما العدالة والتنمية يشتغل على التأطير السياسي للمواطنين”.
وأشاد بما وصفه بـ”الانضباط والتنظيم الدقيق” داخل حزب العدالة والتنمية، قائلا: “لا يوجد اليوم حزب سياسي محافظ على قيمه وثوابته مثل البيجيدي، شاء من شاء وكره من كره”.
وأكد فطري حديثه بالتشديد على أن السياسة بالنسبة إليه “أخلاق قبل كل شيء”، مضيفا: “كنت أبحث دائما عن حزب يمارس السياسة بأخلاق، وهذا أحد الأسباب الرئيسية التي جعلتني أؤسس حزب الوحدة والديمقراطية، واليوم أجد نفسي أقرب إلى العدالة والتنمية فكريا ومبدئيا”.