أخلاق السياسة…؟
الباحث : يحيى تيفاوي
أخلاق السياسة…؟
لم يكن موضوع أخلاق السياسة “طوبويا” عند تداوله في أروقة الفكر السياسي عند المنشأ، بل جاء تعبير صارخ لضمائر وذوات حية تؤمن بأنسنة السياسة و جعلها في ميزان الحكمة و الحقيقة الممكنة لممارسة السياسة . و رغم التقلبات التي عرفها الفكر السياسي في توصيف العمل السياسي بين عقول رواده و ما أنتجته البشرية في منظومة السياسة بثوابتها و متغيراتها ظل الجوهر الثابت في ضمير السياسة كأنها روح تخاطب ذاتها و تصرخ في مسار التاريخ السياسي بتمفصلاته و ملازمته تذكيرا ضروريا بتخليق الحياة السياسية و جعل السياسة في خدمة البشرية و ظلت الأخلاق “دينمو” و”بروميتر” لمصداقية العمل السياسي بل تلازمه و تلعب دور الرقابة في مدى انسجام العمل السياسي و تلبية حاجيات و متطلبات المشترك الإنساني و لعل سؤال الجدلية الممكنة القائمة بين الأخلاق و السياسة نجده في “المدينة الفاضلة” للفكر اليوناني أو في فكر حضارات أخرى وفق مبدأ أن لا سياسة بدون أخلاق و قيم و أن التدبير العادل لطموحات البشرية أفراد و جماعات و دول و أمم لا يمكن أن يستقيم بوضع حاجزا اسود بين الأخلاق و السياسة و إغراق السياسة في وحل المادية و الفر دانية في استفراد موحش ضد الانسنة و تكريم الإنسان كإنسان كما هو معبر عنه كناية و ليس حصرا في الفكر الإسلامي و هذا على عكس المسلم به المغلوط المؤطر بتصور فكر عصر الأنوار تحت يافطة الإنسان ذئب لأخيه الإنسان أو مقولة تخطأ الفكرة عندما لا تكون هناك مصلحة مادية وهو أمرا طبع معه مختلف منظري الفكر السياسي لجعله أمرا في طبيعة المسلم به بل أنه أصبح ثقافة مكتسبة على لسان لغات عديدة في بقاع العالم. من حق سؤال الا يمكن اعتبار هذا المنطلق خاطئ في تحديد واقع البشرية و رسم مستقبل الممكن و الطموح المشترك للانسانية؟ هذا بدون شك مفتاح يجيب عن سؤال في حكم “الطابو” وهو إلى اين وصلت جدلية الأخلاق و السياسة في منتوج عصر الأنوار بالعالم اليوم؟ بدون حكما أو جوابا مسبق فهو تعبير عن حال وواقع العالم يجيب عن نفسه؟ فمنتوج الإنسان الأبيض الغربي بعد تجريبه و إسقاطه قسرا على الحضارات العالمية بروافده المتعددة ليس قدرنا المحتوم و أن شعارات و مفاهيم العدالة و الحرية و الكرامة و حقوق الإنسان…تم استنفادها من حيث الاستغلال البشع و توظيفها في أحقر الصور لاجتثاث الإنسانية لأنها لم تحقق تلازمية الأخلاق و السياسة في مجالات جغرافية و ثقافية أقليمية ووطنية و محلية و هو ما يسائلنا حول السير وراء وهم “المشروعين الفكريين الغربيين” إغراق السياسة بالمصالح المادية و قتل جدلية الأخلاق و السياسة فبدل التطبيع مع انسنة المشترك و التعايش الجماعي الآمن للبشرية و الممكن فتح المجال لصناعة ذئاب بشرية تتصيد ثواني الفرص للتطاحن و التقاتل لصالح جشع انتهازية الفر دانية حتى أن بناء مفهوم السياسة أصبح هدفه و غايته مصالح مادية صرفة لا تكترث للقيم و الأخلاق التي أنتجت السياسة لخدمة البشرية في المدينة و الدولة و الحضارة الإنسانية. و هو ما يجعل المراجعات الممكنة تعزز فرضية القيم و الأخلاق في السياسة أمرا حتميا لا مناص منه لأي ممارسة سياسية ممكنة لخلاص البشرية بأسنة السياسة لأجل المشترك الإنساني و من تم يتحقق تقويم الابن العاق للأخلاق وهو السياسة.