أزمة صرف العملات تضع الجزائريين أمام خيارات صعبة

0

لم يعد صعود الطلب على العملة الأوروبية داخل السوق غير الرسمية في الجزائر مجرد سلوك ظرفي، بل تحول إلى مؤشر واضح على اختلال عميق بين العرض المحدود عبر القنوات الرسمية والحاجيات الفعلية للمواطنين. هذا التفاوت يضع شريحة واسعة أمام واقع معقد، حيث يصعب تأمين العملة الصعبة بشكل قانوني، بينما ترتفع كلفتها بشكل كبير في السوق الموازية.

ورغم الإجراءات المعتمدة، لا تزال القيود المفروضة على صرف العملات الأجنبية قائمة. فقد حُددت مخصصات السفر في سقف سنوي لا يتجاوز 750 يورو للبالغين و300 يورو للقاصرين، وهو مبلغ يظل غير كافٍ لتغطية تكاليف السفر الأساسية، من تذاكر الطيران إلى الإقامة والمصاريف اليومية، ما يجعل الاعتماد على السوق السوداء خيارا شبه حتمي لدى كثيرين.

هذا الواقع يزداد تعقيدا مع ارتفاع الطلب الموسمي، خاصة مع اقتراب تظاهرات دولية كبرى، حيث يسعى عدد من المشجعين إلى تأمين العملة الأجنبية لتغطية نفقات السفر، ما يضاعف الضغط على سوق يعاني أصلا من نقص العرض، ويؤدي إلى مزيد من ارتفاع الأسعار خارج الإطار الرسمي.

وفي خضم هذا الوضع، تبرز مفارقة لافتة؛ إذ تعد الجزائر من بين الدول الغنية بالموارد الطاقية، وتحقق مداخيل مهمة من صادرات النفط والغاز بالعملة الصعبة، غير أن هذه العائدات لا تنعكس بشكل مباشر على تسهيل ولوج المواطنين إلى العملات الأجنبية، وهو ما يطرح تساؤلات حول تدبير هذه الموارد.

ويعزى جزء من هذا الوضع إلى طبيعة الاقتصاد الوطني الذي يعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتلبية حاجياته، سواء تعلق الأمر بالمواد الغذائية أو الأدوية أو التجهيزات الصناعية، ما يدفع السلطات إلى توجيه احتياطيات العملة الصعبة نحو هذه الأولويات، على حساب الطلب الفردي.

كما تلعب اعتبارات الحفاظ على احتياطي النقد الأجنبي دورا محوريا في تشديد الرقابة، خاصة بعد فترات من التراجع، وهو ما يدفع إلى تبني سياسات حذرة تجاه خروج العملة. غير أن هذه المقاربة، رغم أهدافها، تساهم في تغذية السوق الموازية، التي تستفيد من اتساع الفجوة بين العرض والطلب.

ولا يمكن إغفال عامل الثقة، حيث يفضل عدد من المواطنين الاحتفاظ بمدخراتهم خارج النظام البنكي، خوفا من فقدان قيمتها أو تعقيد المساطر، ما يؤدي إلى تقليص حجم السيولة المتداولة رسميا، ويعزز نفوذ السوق غير المنظمة.

في المحصلة، لم يعد ارتفاع سعر اليورو مجرد نتيجة للمضاربة، بل أصبح انعكاسا لبنية اقتصادية مزدوجة، تجمع بين نظام رسمي مقيد وسوق موازية توفر بديلا عمليا. وبين هذين المستويين، يستمر الجدل حول مصير عائدات العملة الصعبة، في بلد يملك من الموارد ما يؤهله لتجاوز هذا الاختلال.