أوزين يضع «المواطن أولا».. القدرة الشرائية والسيادة الغذائية والعدالة المجالية في صدارة أولويات الحركة الشعبية

0

في لحظة سياسية تتزايد فيها انتظارات المغاربة من الأحزاب السياسية، اختار محمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، أن يقدم عشر إجراءات باعتبارها أولويات مستخلصة من صلب مشروع «التعاقد الحركي»، الذي يضم في شموليته 70 إجراء موزعة على 14 محورا.

ولا يتعلق الأمر، وفق هذا التصور، بإعلان برنامج جديد منفصل، بقدر ما يتعلق بتحديد الملفات التي يرى الحزب أنها تستدعي استعجالا أكبر، وتحويلها إلى إجراءات عملية يمكن قياس نتائجها ومساءلة المسؤولين عن مدى تنفيذها.

وبين تفاصيل التعاقد الحركي، تبرز فكرة مركزية تحاول الحركة الشعبية جعلها عنوانا لطرحها السياسي: وضع المواطن في قلب السياسات العمومية، والانطلاق من انتظاراته اليومية، من الأسعار والدخل وفرص الشغل، إلى التعليم والسكن والخدمات العمومية والعدالة المجالية.

«المواطن أولا».. من الشعار إلى معيار للسياسات العمومية

اختيار عشر إجراءات كأولوية يحمل دلالة سياسية واضحة، فالتعاقد الحركي لا ينطلق فقط من تشخيص الاختلالات، وإنما يحاول تقديم أجوبة عملية عنها.

وفي مقدمة هذه الأجوبة تأتي القدرة الشرائية، باعتبارها الملف الأكثر التصاقا بالحياة اليومية للأسر. فارتفاع الأسعار وتزايد كلفة المعيشة يجعلان من الدخل الحقيقي للمواطن ومن قدرته على مواجهة النفقات الأساسية معيارا مباشرا للحكم على فعالية السياسات العمومية.

ولهذا يضع التعاقد الحركي حماية دخل الأسر وإعادة التوازن إلى السوق في صدارة الأولويات، مقترحا إجراءات من بينها إحداث حساب ضريبي اجتماعي، ودعم الأسر المعوزة بما يصل إلى 500 درهم شهريا لتدريس أبنائها، ومراجعة معايير الاستهداف الاجتماعي على أساس الدخل الحقيقي للأسر. كما يقترح ضمان حد أدنى للمعاشات وإصلاح أسواق الجملة بما يجعل حماية القدرة الشرائية هدفا أساسيا للإصلاح.

حين تصبح السيادة الغذائية جزءا من حماية القدرة الشرائية

من الأسعار إلى الغذاء، يربط التعاقد الحركي بين القدرة الشرائية والسيادة الغذائية، باعتبار أن حماية المواطن لا تتوقف عند تحسين دخله، وإنما تشمل أيضا ضمان استقرار تموين السوق الوطنية بأسعار مناسبة.

وفي هذا السياق، يدعو التصور إلى إعادة النظر في التوازن بين الإنتاج الموجه للتصدير والإنتاج الموجه للسوق الوطنية، مع مراعاة الموارد المائية والخصوصيات الترابية. فالرهان، كما يظهر في فلسفة التعاقد، هو بناء فلاحة قادرة على تحقيق المردودية الاقتصادية دون أن تتحول حاجيات السوق الداخلية إلى أولوية مؤجلة.

وهذا المنطق يمتد أيضا إلى الصيد البحري، بما يجعل الموارد الوطنية رافعة للأمن الغذائي وليس فقط للصادرات.

الدعم العمومي تحت المجهر

من أبرز التحولات التي يقترحها التعاقد الحركي الانتقال من منطق احتساب عدد المستفيدين من برامج الدعم إلى قياس أثر هذه البرامج.

فالتعاقد يدعو إلى ربط الدعم العمومي والقطاعي بأهداف قابلة للقياس، مع تعزيز التتبع والمحاسبة ومراعاة الفوارق بين الجهات والفئات.

وبمعنى آخر، فإن السؤال الذي يطرحه هذا التصور لا يتعلق فقط بحجم الأموال التي تخصصها الدولة لقطاع أو فئة معينة، وإنما بما إذا كان هذا الدعم قد أنتج بالفعل دخلا وفرصا واستقرارا وتنمية.

التعليم.. إعادة الاعتبار للمدرس والطالب

وفي قطاع التعليم، يضع التعاقد الحركي ضمن أولوياته إنصاف المدرس والطالب وإعادة فتح أبواب الارتقاء الاجتماعي.

ومن بين الإجراءات المقترحة إلغاء تسقيف سن الولوج إلى مهنة التدريس في 30 سنة واعتماد السن القانوني للوظيفة العمومية، إلى جانب الحفاظ على مجانية التعليم العالي العمومي وتعزيز تكافؤ الفرص.

ويكشف هذا التوجه عن تصور يعتبر المدرسة والجامعة جزءا من معركة العدالة الاجتماعية، وليس مجرد قطاع من قطاعات الدولة.

الشباب.. من انتظار الوظيفة إلى صناعة الفرصة

في ملف التشغيل، يحاول التعاقد الحركي توسيع زاوية النظر إلى مشكلة البطالة، عبر الانتقال من البحث عن الوظيفة فقط إلى تشجيع المبادرة وصناعة فرص جديدة.

ولهذا يقترح تعزيز تمويل المقاولات الناشئة والصغرى عبر صناديق الاستثمار ورأس المال المخاطر، بدل حصر التمويل في القروض البنكية، إلى جانب تحويل العقارات العمومية غير المستعملة إلى فضاءات للشركات الناشئة وحاملي المشاريع.

كما يقترح اعتماد حلول رقمية لتسهيل إنشاء المقاولات واختصار المساطر، في اتجاه جعل الإدارة شريكا في خلق النشاط الاقتصادي بدل أن تكون عائقا أمامه.

السكن.. حين يصبح التملك هدفا اجتماعيا

ولا يغيب السكن عن قائمة الأولويات، إذ يقترح التعاقد الحركي إعادة توجيه السياسة السكنية من الكراء الدائم إلى التملك التدريجي.

ويشمل ذلك تفعيل الإيجار المفضي إلى التملك، وتوسيع الدعم ليشمل البناء الذاتي، وتبسيط مساطر البناء في القرى والجبال والواحات وهوامش المدن، إلى جانب مراجعة آلية تنزيل برنامج دعم السكن بهدف توسيع الاستفادة منه مجاليا.

وهكذا لا ينظر التصور إلى السكن باعتباره مجرد ورش عمراني، وإنما باعتباره أحد شروط الاستقرار الاجتماعي وتكوين الأسرة وتحقيق الأمان الاقتصادي.

العدالة المجالية.. القرى والجبال في قلب التعاقد

ربما يكون البعد المجالي من أكثر العناصر حضورا في فلسفة التعاقد الحركي. فالحركة الشعبية، بحكم انشغالها التقليدي بالمجالات القروية والجبلية، تقترح الانتقال من سياسة تقوم على فك العزلة فقط إلى سياسة توفر الحد الأدنى من شروط العيش داخل هذه المجالات.

ومن هنا يأتي مقترح «الأقطاب القروية»، التي تجمع الصحة والتعليم والإدارة والخدمات البنكية والاتصالات والأسواق والرياضة والثقافة، مع توفير النقل المنتظم بين الدواوير وهذه الخدمات. كما يقترح التصور خلق أقطاب اقتصادية للتجميع والتخزين والتثمين والتسويق.

والهدف هو تقليص الفوارق بين المجالات، حتى لا يكون موقع المواطن الجغرافي سببا في تفاوت حظوظه في الوصول إلى الخدمات الأساسية.

الرقمنة.. إدارة أقرب إلى المواطن

في الجانب الإداري، لا يتعامل التعاقد الحركي مع الرقمنة باعتبارها مجرد شعار للتحديث، بل باعتبارها وسيلة لتقليص المساطر ومحاربة الاختلالات وتحسين الشفافية.

ويقترح في هذا السياق إحداث منصة وطنية رقمية للأسعار لرصد تطورات السوق وكشف الاختلالات والمضاربة، إلى جانب منصات رقمية لإنشاء المقاولات والتصدير وتتبع حركة الأشخاص والسلع.

وهي مقاربة تجعل التكنولوجيا في خدمة المواطن، لا غاية في حد ذاتها.

الأمازيغية ومغاربة العالم وذوو الإعاقة.. توسيع دائرة التعاقد

ولا يختزل التعاقد الحركي أولوياته في الاقتصاد والملفات الاجتماعية المباشرة، بل يوسعها لتشمل قضايا الهوية والحقوق والمشاركة.

ففي ملف الأمازيغية، يقترح التعجيل بإخراج المخططات القطاعية لترسيمها وتعميم تدريسها في مختلف أسلاك التعليم في أفق 2030.

أما مغاربة العالم، فيقترح إحداث «دار المهاجر» في كل جهة لتكون مخاطبا موحدا، مع استكمال الإصلاح المؤسساتي وفتح نقاش حول توسيع مشاركتهم السياسية.

وبالنسبة للأشخاص في وضعية إعاقة، يركز التصور على الانتقال من الحماية إلى التمكين والاستقلالية والمشاركة، من خلال تفعيل بطاقة الشخص في وضعية إعاقة وضمان الولوج إلى التعليم والصحة والحماية الاجتماعية والنقل والتأهيل.

وتحضر المرأة ضمن التعاقد الحركي من خلال مقاربة تقوم على التمكين الاقتصادي والاجتماعي وربط الدعم بالنتائج.

ويقترح التعاقد إطلاق تعاقد وطني للتمكين الاقتصادي والاجتماعي للمرأة، يقوم على أهداف سنوية قابلة للقياس، ويربط الدعم العمومي بالنتائج الفعلية في التشغيل والدخل واستدامة المشاريع، مع تسهيل الولوج إلى التمويل والتكوين والمواكبة والأسواق والرقمنة، وإيلاء اهتمام خاص بالمرأة القروية والجبلية.

عشر أولويات تكشف فلسفة 70 إجراء

من خلال هذه الإجراءات، يبدو أن محمد أوزين أراد أن يمنح «التعاقد الحركي» مدخلا واضحا إلى الرأي العام: ليس باعتباره مجرد وثيقة سياسية تضم 70 إجراء موزعة على 14 محورا، وإنما باعتباره تصورا يريد ترتيب الأولويات وتحديد ما يعتبره الحزب أكثر استعجالا بالنسبة للمواطن.

فالعشر إجراءات التي جرى تقديمها اليوم تكشف عن فلسفة متكاملة تقوم على حماية القدرة الشرائية، وتعزيز السيادة الغذائية، وإنصاف المدرسة والطالب، وخلق فرص للشباب، وتيسير التملك، وتقليص الفوارق المجالية، وتبسيط الإدارة، وتمكين الفئات الاجتماعية المختلفة.

والجامع بين هذه الملفات هو محاولة إعادة السياسة إلى أسئلة الحياة اليومية: كم ينفق المواطن؟ ماذا يشتري؟ كيف يدرس أبناؤه؟ كيف يجد عملا؟ أين يسكن؟ كيف يصل إلى المستشفى والإدارة؟ وهل يستفيد من الخدمات العمومية بالقدر نفسه، سواء كان يعيش في مركز المدينة أو في قرية جبلية أو منطقة حدودية؟

من التعاقد إلى المحاسبة

وفي النهاية، لا تكمن أهمية «التعاقد الحركي» فقط في عدد إجراءاته أو محاوره، وإنما في الرهان الذي يضعه وراء هذه الإجراءات: تحويل الالتزام السياسي إلى نتائج يمكن للمواطن أن يحاسب عليها.

فإذا كانت العشر إجراءات المقدمة اليوم تمثل الأولويات، فإنها في الوقت نفسه تقدم صورة مصغرة عن التعاقد الحركي في شموليته. أما الرهان الحقيقي، فيبقى في القدرة على تحويل هذه المقترحات إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ، بآجال واضحة ومؤشرات دقيقة لقياس النتائج.

وهنا تحديدا يحاول محمد أوزين أن يضع الحركة الشعبية أمام معادلة سياسية جديدة: ليس المهم فقط ماذا تعد الأحزاب المواطن، وإنما ماذا تقترح أن تفعل، وكيف ستنجز، ومتى يمكن للمواطن أن يرى أثر ذلك في حياته.

وبين 70 إجراء و14 محورا، اختار أوزين أن يبدأ من عشر أولويات. والرسالة التي تجمع بينها تبدو واضحة: المواطن أولا، والنتائج هي المعيار.