التعاقد الحركي: حين تتحول السياسة من وعود انتخابية إلى التزام قابل للمحاسبة
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية
أكتب اليوم من موقع لا أخفيه ولا أتنصل منه: أنا حركي وأفتخر بذلك، وأرى أن الانتماء السياسي الحقيقي لا يقاس فقط برفع الشعار، وإنما بمدى قدرة المشروع الذي ننتمي إليه على تقديم إجابات واقعية عن أسئلة المجتمع وانتظارات المواطن. ومن هذا المنطلق، فإن التعاقد الحركي، كما قدمه الأمين العام لحزب الحركة الشعبية محمد أوزين، يستحق أن يقرأ ليس فقط باعتباره وثيقة سياسية حزبية، وإنما باعتباره محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والسياسة على أساس جديد: الالتزام بدل الوعد، والنتيجة بدل الخطاب، والقابلية للتنفيذ بدل رفع سقف الانتظارات.
لقد اعتادت الحياة السياسية أن تقدم للمواطن برامج انتخابية طويلة، تتعدد فيها الوعود وتتنوع فيها العناوين، حتى أصبح البرنامج في كثير من الأحيان وثيقة يصعب على المواطن تتبعها أو مساءلة أصحابها بشأن ما تحقق منها وما لم يتحقق. أما التعاقد، فيحمل دلالة مختلفة. فهو يفترض وجود طرفين، والتزاما واضحا، وانتظارات محددة، ونتائج يمكن قياسها، ومسؤولية تترتب عن عدم الوفاء بالالتزام.
وهنا تكمن، في تقديري، إحدى أهم نقاط القوة في فلسفة التعاقد الحركي.
فالفكرة لا تقوم فقط على القول للمواطن: سنفعل كذا وكذا، وإنما على محاولة تحديد الأولويات التي ينبغي أن تبدأ منها السياسة العمومية، وربطها بإجراءات عملية يمكن تقييمها. وهذا انتقال مهم من منطق كثرة الوعود إلى منطق ترتيب الأولويات، لأن الدولة لا تملك موارد غير محدودة، والمجتمع لا يستطيع انتظار كل شيء في الوقت نفسه.
السياسة الرشيدة ليست أن تعد المواطن بكل شيء، وإنما أن تمتلك الجرأة السياسية لتقول له ما الذي يمكن تحقيقه، وما الذي يحتاج إلى وقت، وما الذي يتطلب موارد إضافية، وما الذي يجب أن يعطى الأولوية على غيره.
ومن هنا أفهم اختيار التعاقد الحركي لعشرات الإجراءات موزعة على محاور متعددة، مع إبراز عشر أولويات يراد لها أن تكون أقرب إلى المواطن وأكثر التصاقا بانتظاراته اليومية. فالمواطن في النهاية لا يعيش داخل المحاور والبرامج، وإنما يعيش داخل تفاصيل الحياة: دخله، أسعار المواد الأساسية، تعليم أبنائه، فرص العمل، السكن، الصحة، النقل، الإدارة، ومكانه داخل المجال الذي يعيش فيه.
وهذا بالضبط ما يجعل مفهوم “المواطن أولا” أكثر من مجرد شعار سياسي.
حين توضع القدرة الشرائية في مقدمة الأولويات، فذلك يعني أن السياسة تبدأ من الاقتصاد اليومي للأسرة، وليس فقط من المؤشرات الكلية. وحين يتم ربط السيادة الغذائية بالسوق الوطنية، فذلك يعني أن الأمن الاقتصادي لا ينفصل عن الأمن الغذائي. وحين يصبح التعليم مرتبطا بإنصاف المدرس والطالب وتكافؤ الفرص، فإن المدرسة تتحول من قطاع عمومي إلى أداة لإعادة بناء العدالة الاجتماعية.
وحين يتم الحديث عن الشباب، فإن المقاربة لا تتوقف عند انتظار الوظيفة، وإنما تمتد إلى صناعة الفرصة وتشجيع المقاولة والاستثمار في المبادرة. وحين يصبح السكن مرتبطا بالتملك التدريجي وتبسيط البناء في القرى والجبال وهوامش المدن، فإن السياسة السكنية تتجاوز منطق العقار لتصبح جزءا من الاستقرار الاجتماعي.
هذه التفاصيل هي التي تجعل التعاقد الحركي قابلا للقراءة من زاوية علم السياسة.
فالمشروع السياسي لا يقاس فقط بعدد الأفكار التي يتضمنها، وإنما بقدرته على تحويلها إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ. وبين الفكرة والسياسة مسافة طويلة: هناك التشريع، والتمويل، والإدارة، والموارد البشرية، والبرمجة الزمنية، وآليات التنفيذ، ثم التقييم والمساءلة.
ولهذا فإن أهم اختبار لأي تعاقد سياسي ليس لحظة الإعلان عنه، وإنما لحظة وضعه أمام الواقع.
هل توجد الموارد المالية لتنفيذ الالتزامات؟ هل هناك ترتيب واضح للأولويات؟ هل حددت الآجال؟ هل توجد مؤشرات لقياس النتائج؟ هل يعرف المواطن من المسؤول عن التنفيذ؟ وهل توجد آلية تسمح بتصحيح المسار عندما تظهر الاختلالات؟
إذا كانت الإجابة عن هذه الأسئلة واضحة، نكون أمام تعاقد سياسي بالمعنى الحقيقي، وليس أمام برنامج انتخابي آخر.
وهنا تحديدا أرى أن التعاقد الحركي يفتح نقاشا أوسع من حدود حزب الحركة الشعبية. إنه يطرح على الحياة السياسية المغربية سؤالا ضروريا: هل نحتاج فعلا إلى برامج أكثر، أم نحتاج إلى التزامات أقل عددا وأكثر وضوحا وقابلية للقياس؟
المواطن اليوم لا يحتاج إلى مئات الصفحات حتى يقرر موقفه السياسي. إنه يحتاج إلى أن يفهم ماذا سيغير المشروع في حياته، وكيف سيتم تمويل ذلك، ومتى يمكنه أن يرى النتائج.
إن المواطن أصبح أكثر وعيا بتكلفة السياسات العمومية، وأكثر إدراكا بأن كل وعد له كلفة مالية، وأن المال العمومي ليس مالا افتراضيا يمكن توزيعه في الخطابات دون حساب.
ولهذا فإن احترام المواطن يقتضي احترام الحقيقة المالية أيضا.
لا يمكن أن نقول للمواطن إن كل شيء ممكن، بينما الموارد محدودة. ولا يمكن أن نقدم وعودا غير ممولة ثم نكتشف بعد ذلك أن الواقع أكثر تعقيدا من الخطاب الانتخابي. السياسة المسؤولة هي التي تربط الطموح بالإمكان، والاختيار بالكلفة، والالتزام بالموارد.
ومن هذه الزاوية، فإن التعاقد الحركي يضع أمام السياسة سؤالا بالغ الأهمية: **كيف نحول الطموح الاجتماعي إلى التزام مالي واقعي؟**
هذا السؤال ليس تقنيا فقط، بل هو سؤال في صميم الحكامة.
فالدولة مطالبة بترتيب أولوياتها، وتوجيه الإنفاق نحو المجالات الأكثر تأثيرا، وتقييم نتائج الدعم العمومي، وربط السياسات بالنتائج. والحزب السياسي الذي يقدم نفسه بديلا للحكامة القائمة يجب أن يكون قادرا بدوره على تقديم تصور واضح حول الكلفة ومصادر التمويل وآليات التنفيذ.
وهنا تكمن قيمة الحديث عن التعاقد.
لأن التعاقد، بخلاف الوعد المفتوح، يخلق مسؤولية متبادلة. المواطن يمنح الثقة، والحزب يلتزم، والمؤسسات تنفذ، والنتائج تصبح موضوعا للتقييم. وبذلك تتحول الديمقراطية من لحظة انتخابية إلى علاقة سياسية مستمرة.
والأهم أن هذا المنطق يمكن أن يعيد الاعتبار للمحاسبة السياسية.
فحين تكون الالتزامات واضحة، تصبح المحاسبة ممكنة. وحين تكون الأهداف محددة، يمكن قياس النجاح والفشل. وحين تكون الكلفة معلنة، يستطيع المجتمع أن يناقش جدوى الاختيارات العمومية. أما عندما تكون البرامج عامة والوعود فضفاضة، يصبح من الصعب تحديد المسؤولية.
ومن هنا فإن التعاقد الحركي، في قراءتي، لا ينبغي أن ينظر إليه فقط من زاوية عدد الإجراءات التي يتضمنها، وإنما من زاوية الفلسفة التي تقف خلفه: نريد أن نقترب من المواطن عبر التزام يمكن فهمه وتنفيذه ومحاسبة صاحبه عليه.
وهذا يتقاطع مع طبيعة الحركة الشعبية وهويتها السياسية التي جعلت من المجال القروي والجبل والمناطق التي عانت طويلا من الفوارق المجالية جزءا أساسيا من خطابها. فالعدالة المجالية ليست مجرد توزيع للمشاريع، وإنما هي سؤال يتعلق بالمواطنة نفسها: هل يحصل المواطن على الحد الأدنى من شروط العيش الكريم بصرف النظر عن مكان إقامته؟
حين يقترح التعاقد الحركي الأقطاب القروية، ويربطها بالخدمات الصحية والتعليمية والإدارية والاقتصادية والثقافية، فإنه يقدم تصورا يتجاوز فكرة فك العزلة إلى بناء شروط الاستقرار داخل المجال. وهذه نقطة تستحق النقاش بجدية، لأنها تضع التنمية المجالية في قلب السياسة العمومية، وليس في هامشها.
كما أن حضور الأمازيغية، ومغاربة العالم، والأشخاص في وضعية إعاقة، والمرأة، داخل التعاقد، يعكس محاولة لتوسيع مفهوم المواطن الذي يتوجه إليه المشروع السياسي. فالمواطنة ليست فئة واحدة، والعدالة الاجتماعية لا يمكن اختزالها في مؤشر اقتصادي واحد.
لكن، في النهاية، يبقى الاختبار الحقيقي هو التنفيذ.
وهنا أقول، من موقع انتمائي الحركي، إن الدفاع عن التعاقد الحركي لا يعني إعفاءه من النقد، بل العكس تماما. إذا كنا نعتبره تعاقدا، فعلينا أن نقبله باعتباره مشروعا قابلا للنقاش والتقييم والمساءلة. قوته لن تأتي من عدد المدافعين عنه، وإنما من قدرته على الصمود أمام الأسئلة الصعبة.
كيف سينفذ؟
كم سيكلف؟
من سيتحمل المسؤولية؟
ما هو الأجل؟
ما هي النتيجة المنتظرة؟
وماذا سنفعل إذا لم تتحقق؟
هذه ليست أسئلة خصوم المشروع، بل أسئلة المواطن الذي يفترض أن يكون طرفا فيه.
وأعتقد أن قوة محمد أوزين في تقديم هذا التصور ستكون مرتبطة، في المرحلة المقبلة، بقدرته على الانتقال به من مستوى الوثيقة السياسية إلى مستوى النقاش العمومي التفصيلي، لأن المواطن لا يحتاج فقط إلى معرفة ماذا نقترح، وإنما يحتاج إلى فهم كيف يمكن تحويل المقترح إلى سياسة عمومية.
وهنا يمكن للحركة الشعبية أن تقدم إضافة حقيقية للنقاش السياسي المغربي: أن تجعل من التعاقد الحركي ليس مجرد وثيقة انتخابية، وإنما مدرسة في كيفية صياغة الالتزام السياسي.
فالحزب الذي يقول “المواطن أولا” مطالب بأن يجعل المواطن شريكا في تقييم النتائج، لا مجرد متلق للخطاب. والحزب الذي يتحدث عن العدالة المجالية مطالب بأن يضع مؤشرات واضحة لقياسها. والحزب الذي يتحدث عن القدرة الشرائية مطالب بأن يشرح كيف ستترجم الإجراءات المقترحة إلى أثر فعلي على دخل الأسر. والحزب الذي يتحدث عن الشباب مطالب بأن يقيس عدد الفرص التي ستخلقها سياساته، لا عدد المرات التي سيتحدث فيها عن الشباب.
هنا تصبح السياسة علما وممارسة في الوقت نفسه.
وهنا أيضا يصبح الانتماء الحزبي أكثر معنى عندما يتحول إلى مساهمة في تطوير المشروع، لا إلى مجرد دفاع عنه مهما كانت الظروف.
أنا حركي وأفتخر بذلك، لكن افتخاري الحقيقي بالحركة الشعبية يجب أن يكون مرتبطا بقدرتها على تقديم مشروع قابل للنقاش والتنفيذ والتقييم، وعلى إنتاج نخب سياسية قادرة على الجمع بين الوفاء للهوية والانفتاح على المستقبل، وبين المبادئ والواقعية، وبين الطموح الاجتماعي والإمكانات المالية.
فالمغرب اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الخطابات التي تعد بكل شيء، وإنما يحتاج إلى مشاريع تعرف كيف تختار، وكيف تمول، وكيف تنفذ، وكيف تحاسب نفسها قبل أن يحاسبها المواطن.
ولهذا فإن التعاقد الحركي يمكن أن يكون أكثر من برنامج حزبي إذا نجح في تحويل العلاقة مع المواطن من علاقة قائمة على الوعد إلى علاقة قائمة على الالتزام.
المواطن لا يريد من يقول له: سنفعل كل شيء.
يريد من يقول له: هذه أولوياتنا، وهذه إمكاناتنا، وهذه كلفتها، وهذا أجلها، وهذه نتائجها، وإذا لم نحققها فاسألونا.
تلك، في نظري، هي السياسة التي تستعيد معناها.
وتلك هي قيمة التعاقد عندما يتحول من وثيقة مكتوبة إلى مسؤولية سياسية.
وفي زمن أصبحت فيه الثقة السياسية أكثر هشاشة، قد يكون أفضل ما تقدمه الأحزاب للمواطن ليس وعدا أكبر، وإنما التزاما أكثر صدقا، وأقل غموضا، وأكثر قابلية للتنفيذ والمحاسبة.
وهنا تحديدا يمكن أن يبدأ الانتقال من زمن البرامج الانتخابية إلى زمن التعاقدات السياسية.
من الوعد إلى الالتزام، ومن الالتزام إلى التنفيذ، ومن التنفيذ إلى النتيجة، ومن النتيجة إلى المحاسبة.
تلك هي المعادلة التي تستحق أن تكون في قلب السياسة المغربية الجديدة.