أوزين يفجرها من فاس: كفى كلاما من فوق المنصات.. المدينة تستحق مشروعا يهز المستقبل
من قلب فاس، وبنبرة سياسية مختلفة، اختار الأمين العام لحزب الحركة الشعبية محمد أوزين أن يضع الأصبع على واحد من أكثر الملفات إلحاحا: كيف يمكن لمدينة بحجم فاس وتاريخها وإمكاناتها أن تستعيد مكانتها، وتتحول من مدينة تعيش على أمجاد الماضي إلى قطب يصنع المستقبل؟
في لقاء جهوي للحركة الشعبية بجهة فاس-مكناس، جمع قيادات الحزب ومنتخبيه ومناضليه، لم يكتف أوزين بتشخيص الأوضاع، بل قدم تصورا يقوم على إعادة الاعتبار للعمل السياسي الميداني، وربط التنمية بالإنسان، ووضع الشباب والتشغيل والجامعة والابتكار في صلب أي مشروع جديد للمدينة.
وعرف اللقاء حضور محمد العنصر، حليمة عسالي، محمد أوزين، إلى جانب حميد شباط وريم شباط، وأعضاء المكتب السياسي حميد كوسكوس، خديجة الكور، عبد القادر البريكي، خالد أولحاج، عدي السباعي، نهاد الصافي ومولاي الحسني العلوي، فضلا عن عدد من المسؤولين والمنتخبين والمناضلين على مستوى جهة فاس-مكناس.
أوزين: السياسة ليست كلاما يقال من فوق المنصة

الرسالة التي أراد أوزين إيصالها كانت واضحة: السياسة الحقيقية تبدأ عندما يغادر السياسي المنصة ويتجه نحو الناس.
فالسياسي، في نظره، لا يمكن أن يفهم مشاكل المدينة من خلال التقارير وحدها، ولا من خلال الاجتماعات المغلقة، وإنما عليه أن يدخل إلى الأحياء، ويتجول في المدينة العتيقة، ويصل إلى المناطق الهامشية، ويستمع إلى الطلبة والعمال والتجار وأصحاب المشاريع وسكان العالم القروي.
المعادلة بسيطة: لا يمكن تقديم الحل قبل معرفة مكان المشكلة.
ولهذا شدد أوزين على أن القرب من المواطن ليس شعارا موسميا، وإنما ممارسة يومية ومسؤولية سياسية تفرض الإنصات المباشر ومعرفة التفاصيل التي يعيشها الناس.
فاس أمام سؤال كبير
لكن حديث أوزين لم يتوقف عند حدود السياسة الميدانية، بل انتقل إلى سؤال أكبر: ماذا نريد لفاس خلال السنوات المقبلة؟
ففاس ليست مدينة عادية. إنها واحدة من أبرز الحواضر المغربية، ومدينة تحمل رصيدا تاريخيا وثقافيا وعلميا هائلا، وتتوفر على جامعة وكفاءات ومؤهلات بشرية واقتصادية يمكن أن تجعل منها قطبا وطنيا ودوليا في عدد من المجالات.
لكن هذا الرصيد، في نظر أوزين، يحتاج إلى رؤية جديدة تجمع عناصر القوة بدل أن تتركها موزعة بين مشاريع متفرقة.
فالمطلوب ليس مشروعا هنا وآخر هناك، وإنما تصور متكامل يعيد بناء الدور الاقتصادي والثقافي والاجتماعي للمدينة.
الشباب ينتظر فرصة لا خطابا
وفي مقدمة التحديات التي تستحق مواجهة عاجلة، يبرز التشغيل.
شباب يدرس سنوات، يحصل على الشهادات، يطور مهاراته، ثم يجد نفسه أمام انتظار طويل وفرص محدودة. وهذه المعادلة، كما يؤكد أوزين، لم تعد تحتمل المزيد من التأجيل.
فالمطلوب هو بناء اقتصاد قادر على خلق فرص حقيقية، وربط التكوين بحاجيات سوق الشغل، وفتح المجال أمام المهن الجديدة والاقتصاد الرقمي والخدمات والصناعة والابتكار.
وهنا تبرز الجامعة باعتبارها واحدة من أهم مفاتيح المستقبل.
جامعة سيدي محمد بن عبد الله ليست فقط مؤسسة للتدريس والتكوين، بل يمكن أن تكون محركا اقتصاديا للمدينة، ومختبرا للأفكار، ومنطلقا للمقاولات الجديدة، وفضاء لصناعة الحلول.
من المدرج إلى المقاولة
التحدي الحقيقي هو كيف ننتقل بالشباب من مرحلة الدراسة إلى مرحلة الإنتاج.
كيف يمكن تحويل فكرة طالب إلى مشروع؟ وكيف يمكن مساعدة صاحب فكرة على الوصول إلى التمويل والمواكبة؟ وكيف يمكن تحويل البحث العلمي إلى قيمة اقتصادية وفرص شغل؟
هذه الأسئلة تفرض، وفق الرؤية التي طرحها أوزين، بناء منظومة جديدة تجمع الجامعة والمقاولة والتمويل والتكوين والابتكار.
ففاس لا ينقصها الشباب ولا الكفاءات، وإنما تحتاج إلى منظومة تمنح هذه الطاقات فرصة حقيقية للتعبير عن نفسها.
مدينة الماضي أم مدينة المستقبل؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأهم الذي يختصر النقاش كله.
هل تبقى فاس مدينة تستحضر تاريخها العظيم وتعيش على رمزية الماضي؟ أم تتحول إلى مدينة تستثمر تاريخها لتصنع به المستقبل؟
أوزين اختار الخيار الثاني.
فالمدينة التي أنجبت أجيالا من العلماء والمفكرين، واحتضنت واحدة من أعرق المؤسسات العلمية، وتتوفر على رصيد بشري وثقافي كبير، قادرة على أن تكون مركزا للاقتصاد الجديد والابتكار والسياحة والصناعة والخدمات.
لكن ذلك لن يحدث تلقائيا.
إنه يحتاج إلى قرار، ورؤية، وتنسيق، وجرأة في تحويل الإمكانات إلى مشاريع، والأفكار إلى استثمارات، والشباب من طالبي العمل إلى صناع للثروة وفرص الشغل.
فاس تحتاج إلى مشروع كبير
المعادلة التي يطرحها أوزين تبدو واضحة: فاس لا تحتاج فقط إلى معالجة المشاكل اليومية، وإنما تحتاج إلى مشروع كبير يعيد ترتيب أولوياتها ويجمع مختلف مؤهلاتها في رؤية واحدة.
مشروع يجعل الجامعة جزءا من الاقتصاد، والشباب جزءا من الحل، والثقافة رافعة للتنمية، والتاريخ عاملا للجذب والاستثمار، والمقاولة محركا للتشغيل.
ومن هنا، يصبح مستقبل فاس مسؤولية جماعية، وليس ملفا تديره جهة واحدة.
رسالة سياسية من قلب فاس

في نهاية المطاف، لم يكن خطاب أوزين مجرد حديث عن مدينة أو عن استحقاقات انتخابية مقبلة، بل محاولة لوضع سؤال فاس في قلب النقاش السياسي: ماذا نريد لهذه المدينة؟ وكيف يمكن أن تستعيد أدوارها؟ وكيف نمنح شبابها سببا جديدا للبقاء والطموح والعمل؟
فالسياسة، كما أراد أوزين أن يقول من فاس، لا تقاس بعدد الكلمات التي تقال فوق المنصات، وإنما بعدد المشاكل التي يتم فهمها، والحلول التي تتحول إلى واقع، والفرص التي تفتح أمام المواطنين.
وفاس اليوم أمام فرصة لإعادة كتابة قصتها.
مدينة لا تكتفي بالفخر بتاريخها، ولا تنتظر المستقبل، بل تصنعه.
والرسالة الأقوى التي خرجت من اللقاء هي أن فاس لا تحتاج إلى مزيد من الكلام عن عظمتها، بقدر ما تحتاج إلى مشروع يعيد لهذه العظمة حضورها في الاقتصاد والثقافة والشغل والابتكار.
فالسؤال لم يعد: ماذا كانت فاس؟
السؤال الحقيقي الآن هو: ماذا يمكن أن تصبح؟