إذا أردت المحاسبة… فابدأ بالمشاركة
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
فاعل جمعوي
في زمن أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي فضاء مفتوحا للتعبير عن الغضب والاحتجاج، يعتقد البعض أن كتابة منشور غاضب أو تعليق ساخط كاف لإحداث التغيير. لكن الحقيقة التي تؤكدها كل التجارب الديمقراطية هي أن التغيير لا يصنعه الغضب وحده، بل تصنعه المشاركة الواعية والمسؤولة.
لا أحد يستطيع أن ينكر حجم الإحباط الذي يعيشه جزء من المغاربة اليوم. غلاء في الأسعار، تراجع في القدرة الشرائية، بطالة في صفوف الشباب، ووعود انتخابية لم تجد طريقها إلى التنفيذ بالشكل الذي كان ينتظره المواطنون. وهي أوضاع من الطبيعي أن تفرز حالة من التذمر والانتقاد، بل وحتى الغضب.
لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا هو: ماذا بعد الغضب؟
هل يكفي أن ننتقد الواقع في المقاهي وعلى مواقع التواصل الاجتماعي؟ هل يكفي أن نتذمر من السياسات العمومية ومن أداء المسؤولين؟ أم أن الديمقراطية تتيح لنا آلية أكثر فاعلية وتأثيرا وهي المشاركة في صناعة القرار ومحاسبة من يتحمل المسؤولية؟
إن أكبر هدية يمكن أن يقدمها المواطن لمن ينتقدهم هي أن ينسحب من المشاركة ويترك غيره يقرر نيابة عنه. فحين يعزف المواطن عن التسجيل في اللوائح الانتخابية أو يمتنع عن التصويت، فإنه لا يعاقب السياسي كما يعتقد، بل يتنازل طواعية عن أحد أهم حقوقه الدستورية، وهو حق التأثير في مستقبل بلده.
لقد أثبتت التجارب أن صناديق الاقتراع كانت دائما الوسيلة الأرقى للتعبير عن الرضا أو الرفض. فمن خلالها تكافأ الحصيلة الجيدة، ومن خلالها أيضا تتم محاسبة من أخلف وعوده أو فشل في تدبير الشأن العام. أما المقاطعة فلا تنتج غالبا سوى المزيد من الفراغ، وتمنح الفرصة لمن يملكون قواعد انتخابية ثابتة للاستمرار دون عناء.
واليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج المغرب إلى مشاركة واسعة للشباب. فهذه الفئة التي تشكل أغلبية المجتمع لا ينبغي أن تكتفي بدور المتفرج أو المعلق، بل يجب أن تكون فاعلا أساسيا في رسم المستقبل. لأن القرارات التي تتخذ اليوم ستؤثر على فرص الشغل غدا، وعلى جودة التعليم، وعلى مستوى الخدمات، وعلى آفاق التنمية لعقود قادمة.
إن التغيير الحقيقي لا يأتي من الخارج، ولا يتحقق بالأمنيات وحدها، بل يبدأ حين يقتنع المواطن أن صوته له قيمة، وأن مشاركته يمكن أن تصنع الفرق. فالتاريخ السياسي للأمم لم يكتبه المتفرجون، بل كتبه أولئك الذين قرروا الانخراط وتحمل مسؤولياتهم.
ومع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة الاعتبار للفعل السياسي النبيل، وإلى تشجيع المواطنين على التسجيل في اللوائح الانتخابية والمشاركة في اختيار من يمثلهم. ليس دفاعا عن حزب أو شخص، بل دفاعا عن حق المواطن في أن يكون شريكا في صناعة القرار.
وفي النهاية، قد يحقق منشور غاضب آلاف التفاعلات لساعات أو أيام، لكنه لا يغير قانونا، ولا يحاسب مسؤولا، ولا يرسم سياسة عمومية. أما صندوق الاقتراع، فهو القادر على ذلك كله.
لذلك، إذا كنت غاضبا من الواقع، وإذا كنت تطمح إلى التغيير، فلا تكتفِ بالشكوى. سجل، شارك، وصوت. لأن صوتك في صندوق الاقتراع أقوى بكثير من أي منشور على مواقع التواصل الاجتماعي.