إصلاحات تتقدم… ورضا يتأخر: معضلة الخدمات العمومية في المغرب

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
طالب باحث في العلوم السياسية والدبلومسية

في السنوات الأخيرة، لم يتوقف الحديث عن إصلاح الخدمات العمومية في المغرب. مشاريع كبرى، أوراش مفتوحة، وخطط طموحة تستهدف تحسين جودة التعليم، وتطوير المنظومة الصحية، وتحديث الإدارة. ورغم هذا الزخم الإصلاحي، يظل شعور فئة واسعة من المواطنين أقل من مستوى هذه الجهود، ما يطرح سؤالا ملحا: لماذا لا يواكب الإحساس العام حجم الإصلاحات المنجزة؟

لا يمكن إنكار أن الدولة قطعت أشواطا مهمة في تحديث عدد من القطاعات الحيوية، سواء من حيث البنيات التحتية أو الإطار القانوني أو رقمنة الخدمات. وهي خطوات تعكس إرادة واضحة للارتقاء بالمرفق العمومي وجعله أكثر نجاعة. غير أن التحدي الحقيقي لا يقف عند حدود إطلاق الإصلاحات، بل يمتد إلى كيفية ترجمتها إلى تجربة يومية ملموسة للمواطن.

فالمواطن لا يقيم الإصلاحات من خلال التقارير أو الأرقام، بل من خلال احتكاكه المباشر بالإدارة، وجودة الخدمة التي يتلقاها، وسرعة الاستجابة لطلباته. حين تكون هذه التجربة سلسة ومحترمة، يتولد الإحساس بالتحسن تلقائيا. أما حين يصطدم بالتعقيد أو البطء أو تفاوت الجودة، فإن ذلك يضعف أثر أي إصلاح مهما كان حجمه.

وتكمن إحدى الإشكاليات في التفاوت بين المجالات الترابية، حيث لا تستفيد جميع المناطق بنفس الدرجة من نتائج الإصلاحات، مما يعمق الفوارق ويؤثر على الإحساس العام بالإنصاف. كما أن ضعف التواصل حول بعض البرامج يجعل المواطن أحيانا غير مدرك لما تحقق فعلا، فيغيب الربط بين الجهد المبذول والنتيجة المحسوسة.

إن تحسين الخدمات العمومية لم يعد مجرد خيار، بل أصبح ضرورة ملحة لتعزيز الثقة، ودعم الاستقرار الاجتماعي، ومواكبة التحولات التي يعرفها المجتمع. غير أن تحقيق هذا الهدف يمر حتما عبر التركيز على جودة التنفيذ، وتبسيط المساطر، والإنصات لتجارب المواطنين، باعتبارها المؤشر الحقيقي لنجاح أي إصلاح.

في النهاية، قد تكون الإصلاحات في مسارها الصحيح، لكن التحدي الأكبر يظل في تسريع أثرها، وتقليص الفجوة بين ما يُنجز وما يُحسّ به. فنجاح المرفق العمومي لا يقاس فقط بما يُبنى، بل بما يشعر به المواطن في تفاصيل يومه.

فهل تنجح المرحلة المقبلة في تحويل الإصلاحات إلى رضا ملموس؟ أم سيظل الإحساس الحلقة الأضعف في معادلة التحديث؟