من الأسر الكبيرة إلى الطفل الواحد.. المغرب يتغير ديموغرافيا

0

يشهد المغرب تحولا ديموغرافيا غير مسبوق، بعد أن سجل معدل الخصوبة أدنى مستوى له على الإطلاق، في مؤشر يعكس تغيرات عميقة مست أنماط العيش وتصورات الأسر المغربية للإنجاب والحياة الأسرية خلال العقود الأخيرة.

وكشفت دراسة حديثة صادرة عن المعهد الوطني للدراسات الديموغرافية بفرنسا أن معدل الخصوبة بالمملكة انخفض سنة 2024 إلى 1.97 طفل لكل امرأة، متراجعا لأول مرة إلى ما دون عتبة الإحلال السكاني المحددة في 2.1 طفل لكل امرأة، وهي النسبة التي تضمن تجدد الأجيال والحفاظ على استقرار البنية السكانية.

ويعكس هذا الرقم تحولا كبيرا مقارنة بما كان عليه الوضع خلال سبعينيات القرن الماضي، حين كان متوسط عدد الأطفال لكل امرأة يتراوح بين سبعة وثمانية أبناء، قبل أن يدخل المغرب في مسار متواصل من التراجع الديموغرافي استمر لأكثر من خمسة عقود.

وترى الدراسة أن هذا التحول لا يرتبط فقط بالعوامل الديموغرافية التقليدية، بل يعكس تغيرا في اختيارات الأسر المغربية وتطلعاتها الاجتماعية والاقتصادية. فقد أصبحت تكلفة المعيشة وارتفاع أسعار السكن ومتطلبات التعليم والرعاية عوامل حاسمة تدفع العديد من الأسر إلى تقليص عدد الأبناء والاكتفاء بطفل أو طفلين.

كما ساهم تمدرس الفتيات وارتفاع مستوى التعليم والانخراط المتزايد للمرأة في سوق الشغل في إعادة تشكيل مفهوم الأسرة والأمومة، حيث باتت القرارات المرتبطة بالإنجاب تخضع لحسابات اجتماعية واقتصادية أكثر تعقيدا من السابق.

ومن بين العوامل المؤثرة أيضا، تشير الدراسة إلى الانتشار الواسع لوسائل تنظيم الأسرة، إذ ارتفعت نسبة النساء المتزوجات اللواتي يستعملن وسائل منع الحمل الحديثة بشكل ملحوظ خلال العقود الأخيرة، ما ساهم في التحكم بشكل أكبر في عدد الولادات وتوقيتها.

وتبرز خصوصية الحالة المغربية مقارنة ببعض دول المنطقة، إذ لم يشهد المغرب أي انتعاش مؤقت في معدلات الخصوبة كما حدث في بلدان مجاورة خلال فترات سابقة، بل واصل منحاه التنازلي بشكل مستمر، ما يجعل التحول أكثر رسوخا واستدامة.

وفي المقابل، بدأت مؤشرات الشيخوخة الديموغرافية تفرض نفسها تدريجيا على المشهد السكاني الوطني. فمع انخفاض عدد الولادات وارتفاع متوسط العمر، تتزايد نسبة كبار السن داخل المجتمع، حيث بلغت فئة الأشخاص البالغين 60 سنة فما فوق نحو 13.8 في المائة من مجموع السكان خلال سنة 2024.

ويحذر خبراء من أن استمرار هذا التوجه قد يطرح تحديات كبيرة خلال العقود المقبلة، تشمل تمويل أنظمة التقاعد، وتوازن سوق الشغل، والضغط المتزايد على الخدمات الصحية والاجتماعية، ما يستدعي التفكير في سياسات عمومية قادرة على مواكبة التحولات الديموغرافية الجديدة.

وبينما كان المغرب يوصف في الماضي ببلد النمو السكاني المرتفع، تشير المعطيات الحالية إلى دخوله مرحلة جديدة عنوانها انخفاض الخصوبة وتسارع الشيخوخة، وهي مرحلة ستعيد رسم ملامح المجتمع المغربي وتفرض رهانات اقتصادية واجتماعية مختلفة خلال السنوات القادمة.