الإعلام بين المسؤولية والانزلاق: قراءة في موقف محمد أوزين

0

في خضم التحولات التي يشهدها المشهد الإعلامي الوطني، يطفو إلى السطح نقاش حاد حول حدود حرية التعبير ومسؤولية الصحافة في تأطير الرأي العام. وفي هذا السياق، يأتي مقال محمد أوزين ليعكس موقفًا واضحا وصريحا من ظاهرة وصفها بـ”فراقشية الإعلام”، وهي تعبير يحمل دلالات قوية عن ممارسات إعلامية يعتبرها منحرفة عن جوهر المهنة وأخلاقياتها.

إن جوهر الطرح الذي قدمه أوزين لا ينفصل عن إشكالية أعمق تتعلق بتحول بعض المنابر الإعلامية إلى أدوات للابتزاز والتشهير، بدل أن تكون فضاءات للنقاش الرصين ونقل الحقيقة. فالإعلام، في فلسفته الأصلية، ليس مجرد وسيلة لجلب المشاهدات أو تحقيق الأرباح، بل هو سلطة رابعة تضطلع بدور محوري في ترسيخ قيم الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

ما يثير الانتباه في هذا الطرح هو التأكيد على أن الخطر الحقيقي لا يكمن في النقد البناء أو الصحافة الاستقصائية، بل في ما سماه “المقاولة الإعلامية الريعية الفضائحية”، التي تخلط بين حرية التعبير والفوضى، وتستثمر في الإثارة على حساب المصداقية. وهذا التشخيص يجد صداه لدى فئات واسعة من المتابعين الذين أصبحوا أكثر وعيا بضرورة التمييز بين الإعلام المهني والإعلام الشعبوي.

كما يسلط المقال الضوء على نقطة أساسية تتعلق باستقلالية المؤسسات السياسية في اتخاذ قراراتها، خصوصا فيما يرتبط بمنح التزكيات الانتخابية. فربط هذه العملية بممارسات فردية أو مزاجية، كما أشار أوزين، يعكس جهلًا بطبيعة العمل الحزبي المبني على مؤسسات وآليات تنظيمية واضحة.

ولا يمكن إغفال البعد المجتمعي في هذا النقاش، حيث أصبح المواطن المغربي فاعلا أساسيا في تقييم المحتوى الإعلامي، من خلال التفاعل الرقمي الذي يعكس القبول أو الرفض. فالمصداقية لم تعد تُفرض، بل تكتسب عبر الالتزام بالمعايير المهنية واحترام ذكاء الجمهور.

إن الدفاع عن صحافة وطنية حرة ومسؤولة لا يعني الاصطفاف الأعمى مع أي طرف، بل يستدعي الوقوف بحزم ضد كل الممارسات التي تسيء إلى المهنة، سواء صدرت عن إعلاميين أو فاعلين سياسيين. فالمعركة الحقيقية اليوم هي معركة أخلاق ومصداقية، قبل أن تكون معركة مواقف أو خطابات.

في الأخير، يظل الرهان الأكبر هو إعادة الاعتبار للصحافة كرسالة نبيلة، قائمة على البحث عن الحقيقة وخدمة الصالح العام، بعيدًا عن منطق الإثارة والابتزاز. وهو ما يقتضي تضافر جهود الجميع، من مؤسسات وإعلاميين وجمهور، لبناء مشهد إعلامي يليق بتطلعات المجتمع ويواكب تحديات المرحلة.