الجهوية المتقدمة بين طموح النصوص وخيبة الممارسة

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية

حين أطلق المغرب ورش الجهوية المتقدمة، لم يكن الأمر مجرد تعديل إداري أو إعادة تقسيم ترابي، بل كان اختيارا استراتيجيا كبيرا يهدف إلى بناء نموذج تنموي جديد يقوم على تقريب القرار من المواطن، وتقليص الفوارق المجالية، وتحقيق تنمية متوازنة بين مختلف جهات المملكة.

لقد شكلت الجهوية المتقدمة أحد أهم الأوراش الإصلاحية التي أطلقها جلالة الملك محمد السادس، باعتبارها مدخلا لترسيخ الحكامة الترابية وتعزيز الديمقراطية المحلية وجعل الجهات فاعلًا حقيقيًا في التنمية.

لكن بعد سنوات من التنزيل، ومع اقتراب نهاية الولاية الحالية للمجالس المنتخبة، يحق للمغاربة أن يطرحوا سؤالا مشروعا: ماذا حققت الجهوية المتقدمة للمواطن؟

لا أحد ينكر أن هناك مشاريع مهمة أنجزت في عدد من الجهات، وأن المجالس الجهوية أصبحت فاعلا أساسيا في تمويل العديد من البرامج التنموية. لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن الطموحات التي رافقت هذا الورش كانت أكبر بكثير من الحصيلة المحققة على أرض الواقع.

فالفوارق المجالية ما تزال قائمة بين الجهات، بل إن بعض المناطق ما زالت تعاني الخصاص نفسه في البنيات الأساسية والخدمات وفرص الاستثمار. كما أن المواطن في العديد من المناطق لا يشعر بأن الجهة أصبحت تمتلك سلطة حقيقية على القرارات التي تهم حياته اليومية.

والواقع أن أحد أكبر معيقات الجهوية المتقدمة يتمثل في بطء نقل الاختصاصات من المركز إلى الجهات. فالكثير من الصلاحيات ما تزال مرتبطة بالإدارة المركزية، مما يجعل هامش المبادرة لدى المنتخبين محدودا في عدد من المجالات.

كما أن الإشكال لا يتعلق فقط بالاختصاصات، بل أيضا بالموارد. فلا يمكن الحديث عن جهوية قوية دون موارد مالية كافية، ولا عن تنمية ترابية فعالة دون كفاءات بشرية وإدارية قادرة على تنزيل المشاريع وتتبعها وتقييمها.

ومن الملاحظ أيضا أن جزءا من النقاش السياسي داخل العديد من المجالس الجهوية انشغل بالصراعات والتجاذبات أكثر مما انشغل ببناء رؤى تنموية بعيدة المدى. فتحولت بعض المجالس إلى أجهزة لتدبير الملفات اليومية بدل أن تكون مختبرات حقيقية للتنمية الترابية والابتكار في السياسات العمومية.

اليوم، وبعد هذه التجربة، يبدو أن المغرب في حاجة إلى مرحلة جديدة من التفكير في مستقبل التنظيم الترابي. مرحلة تنتقل من منطق الجهوية المتقدمة إلى منطق أكثر جرأة وفعالية، يمكن تسميته بالجهوية الموسعة، حيث تصبح الجهة فاعلا حقيقيا في التخطيط والتنمية والاستثمار، مع صلاحيات واضحة وموارد كافية ومسؤوليات محددة.

فالرهان لم يعد فقط إنشاء مؤسسات جهوية، بل تمكينها من ممارسة أدوارها كاملة. ولم يعد المطلوب مجرد نقل بعض الاختصاصات، بل بناء نموذج ترابي يجعل المواطن يشعر فعلا بأن القرار أصبح أقرب إليه وأن التنمية لم تعد رهينة المركز وحده.

إن نجاح الجهوية لا يقاس بعدد المجالس أو الاجتماعات أو الاتفاقيات الموقعة، بل بمدى قدرتها على تحسين حياة المواطنين وتقليص الفوارق وخلق الثروة وفرص الشغل داخل مختلف جهات المملكة.

لقد كان ورش الجهوية المتقدمة رؤية ملكية استشرافية سبقت الكثير من التحولات، لكن نجاح أي ورش إصلاحي يظل مرتبطا بجودة تنزيله. ولذلك فإن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة تقييم شجاع وصريح للحصيلة، بعيدًا عن لغة المجاملات.

لأن السؤال الحقيقي اليوم ليس: هل نحتاج إلى الجهوية؟ بل: كيف نجعلها أكثر فعالية وأكثر قربا من المواطن؟

وهنا تكمن أهمية الانتقال من الجهوية المتقدمة إلى جهوية أكثر نجاعة واتساعا وقدرة على تحقيق الأهداف التي أنشئت من أجلها منذ البداية.