حين تصبح الدولة رهينة الحسابات السياسية

0

افتتاحية الصباج
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية

من أخطر ما قد تواجهه أي دولة، مهما بلغت قوة مؤسساتها أو حجم إمكاناتها، أن تتحول قراراتها الكبرى إلى رهينة للحسابات السياسية الضيقة. فالدولة، في الفكر الدستوري والسياسي، ليست حكومة تنتهي بانتهاء ولايتها، وليست أغلبية تتغير بتغير نتائج الانتخابات، وإنما هي مشروع وطني مستمر، يقوم على استقرار المؤسسات، واستدامة السياسات، وسمو المصلحة العامة على كل اعتبار آخر.

لقد ميز كبار منظري الدولة الحديثة بين مفهوم “الدولة” باعتبارها كيانا دائما، ومفهوم “الحكومة” باعتبارها سلطة تنفيذية مؤقتة تستمد شرعيتها من الدستور والإرادة الشعبية. غير أن هذا التمييز، على بساطته النظرية، يغيب أحيانا في الممارسة السياسية، حين تصبح القرارات العمومية أسيرة لمنطق الربح والخسارة الانتخابية، لا لمنطق المصلحة الوطنية.

وفي العلوم السياسية، يطلق على هذه الظاهرة مفهوم “قصر الأفق السياسي”، أي هيمنة التفكير قصير المدى على صناعة القرار. فبدل أن تنشغل الحكومات بما تحتاجه الدولة بعد عشر أو عشرين سنة، تنشغل بما قد يحقق لها مكسبا انتخابيا في الاستحقاق المقبل. وهنا يبدأ الخلل، لأن الدولة لا تبنى بمنطق المواسم السياسية، وإنما بمنطق التراكم والاستمرارية.

فالدول التي صنعت تجارب ناجحة لم تكن تتخذ قراراتها الكبرى تحت ضغط استطلاعات الرأي أو الحسابات الحزبية، بل انطلقت من رؤية استراتيجية واضحة، جعلت من التعليم، والصحة، والبحث العلمي، والأمن الغذائي، والسيادة الصناعية، أولويات تتجاوز عمر الحكومات. ولذلك، بقيت مشاريعها مستمرة رغم تغير الأحزاب وتعاقب المسؤولين.

أما حين تصبح كل حكومة منشغلة بإثبات أنها بدأت من الصفر، أو بإلغاء ما أنجزه من سبقها، فإن الدولة تدخل في دائرة مفرغة من الانقطاع المؤسساتي، وتتحول السياسات العمومية إلى رهينة للتنافس السياسي، بدل أن تكون أداة لتحقيق التنمية المستدامة.

ومن منظور القانون الدستوري، فإن مبدأ استمرارية الدولة يعد من المبادئ المؤسسة للنظام الدستوري. فالمرافق العمومية لا تتوقف بتغير الحكومات، والسياسات الاستراتيجية لا ينبغي أن تخضع للأهواء السياسية، لأن الدولة لا تدار بمنطق الأشخاص، وإنما بمنطق المؤسسات. ولذلك، فإن أي مسؤول، مهما كانت شرعيته الانتخابية، يبقى ملزما باحترام هذا المبدأ، لأنه يمثل ضمانة للاستقرار القانوني والمؤسساتي.

كما أن الحكامة الجيدة لا تقاس بقدرة الحكومة على إدارة الحاضر فقط، بل بقدرتها على استشراف المستقبل. فالفارق بين الدولة التي تتقدم والدولة التي تراوح مكانها، ليس في حجم الموارد، وإنما في نوعية القرارات التي تتخذها. القرار الذي يصنع المستقبل قد يكون مكلفا اليوم، لكنه يصبح أساسا لازدهار الأجيال المقبلة، بينما القرار الذي يرضي اللحظة قد يمنح شعبية مؤقتة، لكنه يترك أعباء ثقيلة على كاهل الدولة.

وفي العلاقات الدولية، لم تعد مكانة الدول تقاس فقط بقدراتها الاقتصادية أو العسكرية، بل بمدى استقرار سياساتها واستمرارية مؤسساتها. فالمستثمر، كما الشريك الدولي، يبحث عن دولة تمتلك رؤية واضحة، لا عن حكومة تغير أولوياتها مع كل استحقاق انتخابي. فالمصداقية الدولية تبدأ من الاستقرار الداخلي، والاستقرار يبدأ من احترام منطق الدولة، لا منطق الظرف السياسي.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي نظام سياسي هو أن تتحول الدولة إلى ساحة صراع بين الأحزاب، بدل أن تكون الإطار الجامع الذي يحتكم إليه الجميع. فالتنافس السياسي مشروع، بل هو جوهر الديمقراطية، لكن عندما يتجاوز حدود التنافس على البرامج، ليصل إلى التأثير في استمرارية السياسات الوطنية، فإنه يتحول إلى عبء على الدولة، لا إلى مكسب لها.

ولهذا، فإن الدول الراسخة لا تجعل مشاريعها الكبرى محل مزايدة انتخابية، بل تعتبرها تعاقدا وطنيا تشارك في حمايته الحكومة والمعارضة، لأن مصلحة الوطن لا تتغير بتغير الأغلبية البرلمانية. فالدولة القوية هي التي تنجح في بناء توافق حول القضايا الاستراتيجية، وتترك مساحة التنافس مفتوحة في وسائل التنفيذ، لا في ثوابت المشروع الوطني.

إن بناء الدولة لا يحتاج فقط إلى مسؤولين يمتلكون الشرعية، بل إلى رجال دولة يمتلكون الرؤية. فالرؤية هي التي تجعل القرار العمومي متحررا من ضغط اللحظة، وقادرا على خدمة المستقبل. أما عندما يصبح الهم الأول هو الانتخابات المقبلة، فإن المستقبل يصبح أول ضحايا السياسة.

وفي النهاية، لا تنهض الدول بالقرارات التي تحقق التصفيق، وإنما بالقرارات التي تحقق الاستمرارية. ولا تقاس قوة الحكومات بما تكسبه من معارك انتخابية، بل بما تضيفه إلى رصيد الدولة من مؤسسات قوية، وسياسات مستقرة، وثقة متجددة بين المواطن والدولة. فالدولة التي تتحرر من الحسابات السياسية الضيقة، هي وحدها القادرة على صناعة المستقبل، لأن الأوطان لا تبنى بمنطق الولاية الانتخابية، بل بمنطق الأجيال القادمة.