الحكومة لا تنتخب لتشرح الأزمات… بل لتواجهها
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
فاعل جمعوي
منذ وصولها إلى تدبير الشأن العام، وجدت الحكومة نفسها أمام سلسلة من التحديات والظروف الاستثنائية، من تداعيات الجائحة إلى الجفاف، ومن الاضطرابات الدولية إلى موجات التضخم التي اجتاحت مختلف اقتصادات العالم. وهي معطيات لا يمكن لأي متابع منصف أن ينكر تأثيرها على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بالمغرب.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس حول وجود الأزمات من عدمه، بل حول كيفية التعامل معها. فالمواطن لا يحاسب الحكومات على الأزمات التي تقع خارج إرادتها، وإنما يحاسبها على قدرتها على تدبير آثارها والتخفيف من انعكاساتها على حياته اليومية.
لقد أصبح المغاربة يسمعون كثيرا عن أسباب الغلاء أكثر مما يرون حلولا له، ويسمعون عن مبررات البطالة أكثر مما يلمسون سياسات ناجعة لمحاصرتها، ويسمعون عن إكراهات التعليم والصحة أكثر مما يلمسون تحسنًا حقيقيا في خدماتهما. وكأن النقاش العمومي انتقل من البحث عن الحلول إلى البحث عن التفسيرات.
لا أحد يطلب من أي حكومة أن تصنع المعجزات، ولا أحد يتوقع منها أن تلغي تأثير الأزمات العالمية بقرار إداري. لكن المواطنين ينتظرون منها أن تكون قادرة على الابتكار والتدبير واتخاذ القرارات التي تخفف من الأعباء وتحمي الفئات الهشة وتعيد الأمل إلى الشباب.
ففي النهاية، الحكومة لا تنتخب لكي تشرح للمواطن لماذا يعاني، بل لكي تعمل على تقليص حجم تلك المعاناة. ولا تنتخب لكي تسرد الأسباب والعوامل الخارجية، بل لكي تبحث عن المخارج والحلول الممكنة مهما كانت الظروف صعبة.
لقد كان من الطبيعي في بداية الولاية الحكومية أن يتفهم المواطن وجود صعوبات وإكراهات موضوعية. لكن مع مرور الوقت، يصبح من حقه أن يسأل عن الحصيلة والنتائج. لأن الشرعية الديمقراطية لا تقوم فقط على الوعود، بل على مدى الوفاء بها وعلى قدرة المسؤولين على تحويل البرامج إلى واقع ملموس.
وما يزيد من حدة هذا الشعور هو أن المغاربة لم يعودوا يقيمون الأداء الحكومي من خلال البلاغات والتصريحات، بل من خلال ما يعيشونه يوميا. فحين ترتفع الأسعار بشكل متواصل، وتضعف القدرة الشرائية، وتتزايد مخاوف الشباب من المستقبل، يصبح الحكم على السياسات العمومية مرتبطًا بالواقع لا بالخطاب.
إن أكبر رأسمال يمكن أن تمتلكه أي حكومة هو ثقة المواطنين. وهذه الثقة لا تبنى بكثرة التبريرات، بل بالجرأة في اتخاذ القرار، وبالقدرة على الاعتراف بالأخطاء وتصحيحها، وبالنتائج التي يشعر بها الناس في حياتهم اليومية.
لقد علمتنا التجارب الديمقراطية الناجحة أن المواطن يتفهم الصعوبات إذا لمس الصدق والجدية والإرادة. لكنه يفقد ثقته عندما تتحول الأعذار إلى خطاب دائم، وعندما يصبح تبرير الواقع أهم من تغييره.
واليوم، وبعد سنوات من الوعود والتعهدات، لم يعد المغاربة ينتظرون من المسؤولين أن يحدثوهم عن حجم الأزمات فقط، بل أن يحدثوهم عن حجم الحلول. لأن الشعوب لا تتقدم بشرح المشاكل، وإنما بمعالجتها.
وفي النهاية، يبقى المعيار بسيطا وواضحا: فالحكومة لا تنتخب لتشرح الأزمات… بل لتواجهها.