الدول تتقدم عندما يصبح القانون أقوى من الأشخاص

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية

ليست قوة الدول في كثرة القوانين التي تصدرها، ولا في حجم المؤسسات التي تمتلكها، وإنما في قدرتها على جعل القانون فوق الجميع، دون استثناء أو تمييز. فحين يصبح القانون هو المرجع، يشعر المواطن بالأمان، ويثق المستثمر في المستقبل، وتترسخ هيبة الدولة. أما حين يصبح القانون خاضعا للمصالح، أو يفصل على مقاس فئات معينة، فإن أول ما يتضرر هو الثقة في المؤسسات.

لقد اختار المغرب، منذ سنوات، بناء دولة المؤسسات وربط المسؤولية بالمحاسبة، وجعل سمو القانون أحد ثوابته الدستورية. وهي اختيارات كبرى لا يمكن أن تنجح إلا إذا شعر المواطن بأن الجميع متساوون أمام القانون، وأن التشريع يصدر لخدمة الوطن، لا لخدمة الأشخاص أو حماية الامتيازات.

غير أن ما يثير النقاش اليوم هو ذلك الشعور المتزايد لدى جزء من الرأي العام بأن بعض القوانين لم تعد تعكس دائما المصلحة العامة بقدر ما أصبحت، في بعض الحالات، تخدم مصالح فئات بعينها أو تستجيب لحسابات ضيقة. وعندما يتولد هذا الانطباع، تصبح الثقة في التشريع نفسه محل تساؤل، حتى وإن كانت نية المشرع مختلفة.

فالقانون في الدولة الحديثة لا ينبغي أن يكون وسيلة لصناعة الريع، ولا أداة لتوسيع الامتيازات، ولا وسيلة لتحصين مواقع النفوذ. القانون وجد ليحقق العدالة، ويضمن تكافؤ الفرص، ويحمي المال العام، ويوازن بين الحقوق والواجبات. وكل خروج عن هذه الفلسفة يضعف ثقة المواطن في المؤسسات.

لقد تعرضت الحكومة الحالية، خلال ولايتها، لانتقادات واسعة من المعارضة ومن عدد من الفاعلين والمتابعين للشأن العام، بسبب بعض الاختيارات التي اعتبرها منتقدوها أقرب إلى خدمة فئات محددة منها إلى تحقيق المصلحة العامة. وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع هذه الانتقادات، فإنها تعكس حاجة ملحة إلى أن تكون كل المبادرات التشريعية أكثر إقناعا وشفافية، وأن يظهر بوضوح أنها تنطلق من خدمة الوطن والمواطن، لا من أي اعتبارات أخرى.

فالتشريع ليس مجرد عملية تقنية، بل هو عقد ثقة بين الدولة والمجتمع. وإذا شعر المواطن بأن القانون يعامل الجميع بالميزان نفسه، ازداد احترامه للمؤسسات. أما إذا ترسخ لديه الاعتقاد بأن بعض النصوص تصاغ لخدمة مصالح خاصة، فإن أول الخاسرين سيكون هو منسوب الثقة في العمل السياسي والمؤسساتي.

إن الدول القوية لا تخشى إخضاع الجميع للقانون، لأنها تدرك أن العدالة هي أساس الاستقرار، وأن التنمية لا تزدهر إلا في ظل مؤسسات تحكمها قواعد واضحة، لا استثناء فيها لأحد، ولا امتياز فيها إلا بالكفاءة والاستحقاق.

واليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج المغرب إلى تشريعات تعزز الثقة، وتحارب كل أشكال الريع، وتكرس مبدأ تكافؤ الفرص، لأن المواطن لم يعد يطالب فقط بقوانين جديدة، بل يطالب بقوانين عادلة، تطبق على الجميع، وتخدم الجميع.

فالقانون الذي يكتب من أجل الوطن يعيش لعقود، أما القانون الذي يكتب من أجل الأشخاص فلا يعيش إلا بقدر بقاء أصحابه في مواقعهم. والأشخاص يرحلون، والحكومات تتغير، لكن الوطن يبقى، والمؤسسات هي التي تحمل ذاكرته وتحفظ استمراره.

وفي النهاية، فإن أعظم إنجاز يمكن أن تقدمه أي حكومة ليس كثرة القوانين التي تصادق عليها، بل أن تترك وراءها تشريعات يشعر كل مواطن بأنها كتبت من أجله، ومن أجل مستقبل بلده، لا من أجل مصلحة عابرة أو امتياز مؤقت.

فالدولة القوية ليست التي تكثر من سن القوانين، بل التي تجعل القانون فوق الجميع، وتجعل الوطن فوق كل المصالح.