الضحية الصامتة… كيف انهارت الطبقة المتوسطة؟
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
فاعل جمعوي
إذا كان الفقر مؤلمًا، فإن السقوط من الطبقة المتوسطة أكثر إيلامًا. لأن الفقير يعرف وضعه ويحاول التعايش معه، أما ابن الطبقة المتوسطة فيجد نفسه كل يوم يفقد جزءا من مكتسباته، ويتراجع مستوى عيشه، ويشعر أن السلم الاجتماعي الذي صعد عليه لسنوات بدأ ينهار تحت قدميه.
كانت الطبقة المتوسطة لعقود طويلة صمام الأمان الاجتماعي في المغرب. منها خرج الأساتذة والأطباء والمهندسون والموظفون والأطر الذين ساهموا في بناء مؤسسات الدولة وإدارة المرافق العمومية وتحريك عجلة الاقتصاد الوطني. وكانت دائما عنوانا للاستقرار والتوازن داخل المجتمع.
لكن ما تعيشه هذه الطبقة اليوم يدعو إلى القلق. فبين ارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية وغلاء السكن والتعليم والصحة والنقل، أصبحت فئات واسعة من الطبقة المتوسطة تجد نفسها عاجزة عن الحفاظ على مستوى العيش الذي كانت تعتبره عاديًا قبل سنوات قليلة فقط.
لقد أصبح الموظف الذي كان يعيش بكرامة يحسب مصاريفه بالدرهم. وأصبح رب الأسرة الذي كان يخطط لمستقبل أبنائه منشغلا بكيفية تدبير نهاية الشهر. وتحولت أحلام كثيرة إلى مجرد محاولات للبقاء في نفس المكان دون السقوط نحو الهشاشة والفقر.
والمفارقة أن هذه الطبقة لا تستفيد غالبا من برامج الدعم الموجهة للفئات الفقيرة، ولا تمتلك الإمكانيات التي تسمح للأثرياء بمواجهة الأزمات. فهي تؤدي الضرائب، وتتحمل تكاليف التعليم والصحة والسكن، وتدفع ثمن كل الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية دون أن تجد من يدافع عنها أو يضعها في صلب السياسات العمومية.
لقد كانت الطبقة المتوسطة دائما المؤشر الحقيقي على صحة أي اقتصاد. فحين تكون قوية ومزدهرة يكون المجتمع مستقرا، وحين تبدأ في التآكل تظهر الاختلالات الاجتماعية وتتسع الفوارق وتتراجع الثقة في المستقبل.
ولا يمكن الحديث عن هذا الوضع دون مساءلة السياسات العمومية التي ساهمت في إضعاف هذه الفئة. فخلال السنوات الأخيرة، تزايد الضغط المعيشي بشكل غير مسبوق، بينما ظلت الأجور في أغلب القطاعات عاجزة عن مواكبة الارتفاع المتواصل في تكاليف الحياة. ومع كل زيادة في الأسعار، كانت الطبقة المتوسطة هي أول من يؤدي الفاتورة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس فقط تراجع مستوى عيش هذه الفئة، بل فقدانها للأمل في الصعود الاجتماعي. لأن المجتمع الذي تغيب فيه فرص الترقي وتحسين الأوضاع، يتحول تدريجيا إلى مجتمع يشعر فيه المواطن بأن جهده وعمله لم يعودا كافيين لتحقيق الاستقرار الذي يحلم به.
واليوم، لم يعد السؤال المطروح هو كيف نحارب الفقر فقط، بل كيف نحمي الطبقة المتوسطة من الانهيار؟ لأن الدول لا تقاس فقط بعدد الأغنياء فيها، بل بحجم وقوة طبقتها المتوسطة، باعتبارها العمود الفقري للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وفي النهاية، قد تتحمل الطبقة المتوسطة الكثير من الضغوط بصمت، لكنها تظل الضحية الصامتة للسياسات الخاطئة والاختلالات الاقتصادية. وإذا استمر هذا النزيف، فإن الثمن لن تدفعه هذه الطبقة وحدها، بل سيدفعه المجتمع بأكمله.
فحين تنهار الطبقة المتوسطة، لا ينهار مستوى العيش فقط… بل يهتز أحد أهم أسس الاستقرار داخل الوطن.