المغرب بين الإصلاح والواقع: لماذا لا يشعر المواطن بالتحسن؟
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
طالب باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
لا يكاد يمر خطاب أو تقرير رسمي دون الحديث عن الإصلاحات الكبرى التي يشهدها المغرب في مختلف المجالات. مشاريع بنيوية، استثمارات ضخمة، أوراش اجتماعية، وبرامج تنموية تقدّم باعتبارها خطوات نحو مغرب أكثر تقدما وعدالة. غير أن السؤال الذي يتردد بصمت في الشارع يبقى مختلفا: إذا كانت الإصلاحات تتقدم، فلماذا لا يشعر المواطن بالتحسن؟
هذا السؤال لا يعكس بالضرورة رفضا لما تحقق، بل يكشف عن فجوة متزايدة بين لغة الإنجاز والإحساس اليومي للمواطن. فبالنسبة لكثير من المغاربة، لا تقاس الإصلاحات بحجم الأرقام أو كلفة المشاريع، بل بقدرتها على تغيير تفاصيل الحياة اليومية: هل انخفضت الأسعار؟ هل تحسنت الخدمات؟ هل أصبحت فرص الشغل أكثر؟ هل تراجع القلق حول المستقبل؟
المفارقة أن المغرب يعيش بالفعل على وقع تحولات مهمة، لكن أثرها الاجتماعي لا يظهر دائما بنفس القوة التي يقدّم بها. وهو ما يجعل شريحة واسعة تشعر بأن وتيرة الإصلاح لا تنعكس بالسرعة الكافية على واقعها، خاصة في ظل استمرار الغلاء، وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع الإحساس بعدم الاستقرار.
ولا يمكن إنكار أن جزءا من هذا الوضع مرتبط بسياق عالمي صعب، لكن ذلك لا يلغي النقاش حول فعالية بعض الاختيارات الداخلية، ومدى قدرتها على تحقيق التوازن بين المؤشرات الاقتصادية والإحساس الاجتماعي. لأن المواطن، في النهاية، لا يعيش داخل التقارير، بل داخل واقع يومي يختبر فيه نتائج السياسات بشكل مباشر.
كما أن ضعف التواصل أحيانا، وتضارب بعض التصريحات، يزيدان من تعميق هذه الفجوة. فحين يسمع المواطن لغة مطمئنة، ثم يصطدم بواقع مختلف، يتولد لديه شعور بأن ما يقال لا يعكس تماما ما يعيشه. وهنا يبدأ التآكل البطيء للثقة.
إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في إطلاق الإصلاحات، بل في جعل أثرها ملموسا وواضحا وعادلا. فنجاح أي سياسة لا يُقاس فقط بما ينجز، بل أيضا بمدى إحساس الناس بأنها حسنت حياتهم فعلا.
وفي المقابل، لا يمكن اختزال كل شيء في النظرة السلبية، فالمغرب يملك إمكانيات حقيقية، ويشهد أوراشا مهمة، لكن الرهان الأكبر يظل في تحويل هذه الأوراش إلى أثر اجتماعي يشعر به المواطن في يومه العادي، لا فقط في الخطابات.
في النهاية، قد تكون الإصلاحات ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها. لأن المواطن لا يبحث فقط عن الوعود أو المشاريع، بل عن الاطمئنان. وحين يغيب هذا الإحساس، تصبح المسافة بين الواقع والخطاب أكبر من أي إنجاز.
فهل تنجح المرحلة المقبلة في تقليص هذه الفجوة بين الإصلاح والإحساس به؟ أم سيظل المواطن يسمع عن التحسن… دون أن يعيشه فعلا؟