المغرب في حاجة إلى الكفاءة لا إلى صناعة الوهم

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
فاعل جمعوي

من حق الحكومات أن تتحدث عن إنجازاتها، ومن واجبها أن تشرح للمواطنين حصيلة عملها. لكن من حق المواطنين أيضا أن يسألوا عن واقعهم اليومي، وأن يقارنوا بين ما يسمعونه في الخطابات وما يعيشونه في الأسواق والإدارات والمستشفيات والمدارس.

لقد أصبح المغرب يعيش مفارقة حقيقية. فمن جهة، نسمع بشكل متواصل عن مؤشرات إيجابية ومشاريع كبرى ونسب نمو واستثمارات ضخمة، ومن جهة أخرى يشتكي المواطن من الغلاء، وتشتكي الأسر من تراجع قدرتها الشرائية، ويشتكي الشباب من البطالة وانسداد الآفاق. وبين الخطاب والواقع تتسع مساحة الأسئلة وتزداد الحاجة إلى المصارحة.

المشكلة اليوم ليست في نقص الشعارات ولا في قلة البلاغات الرسمية، بل في غياب الأثر الملموس لهذه الإنجازات على حياة المواطن البسيط. فالمغاربة لا يأكلون الأرقام، ولا يسكنون داخل التقارير، ولا يعالجون أبناءهم بالمؤشرات الاقتصادية. ما يهمهم هو أن يجدوا مدرسة جيدة، ومستشفى يحفظ كرامتهم، وفرصة عمل لأبنائهم، وحياة مستقرة لا تلتهمها موجات الغلاء المتتالية.

لقد أثبتت التجارب أن أخطر ما يمكن أن تقع فيه الحكومات هو الاعتقاد بأن التواصل يمكن أن يعوض الإنجاز. فالتواصل مهم، لكنه لا يمكن أن يكون بديلا عن النتائج. والمواطن قد يقتنع بالكلام مرة أو مرتين، لكنه في النهاية يعود إلى واقعه ليصدر حكمه الحقيقي.

ولهذا فإن المغرب اليوم في حاجة إلى الكفاءة أكثر من أي وقت مضى. في حاجة إلى مسؤولين يمتلكون القدرة على تشخيص المشكلات قبل البحث عن تبريرها، وإلى من يملكون الشجاعة للاعتراف بالاختلالات قبل الحديث عن النجاحات. لأن أول خطوة نحو الإصلاح هي الاعتراف بأن هناك ما يحتاج إلى إصلاح.

لقد سئم المواطن من لغة التبرير، ومن محاولة تقديم كل شيء على أنه نجاح مطلق. فحتى أكبر الديمقراطيات وأقوى الاقتصادات تعترف بأخطائها وتناقش اختلالاتها بكل وضوح. أما صناعة الوهم، فقد تمنح بعض المكاسب الآنية، لكنها لا تصنع الثقة ولا تبني المستقبل.

إن الكفاءة لا تعني فقط الحصول على الشهادات أو تقلد المناصب، بل تعني القدرة على تحقيق النتائج وتحمل المسؤولية وربط القرار السياسي بحاجيات المواطنين الحقيقية. فكم من مسؤول يتحدث كثيرا ولا ينجز إلا القليل، وكم من مسؤول يترك أثرا أكبر بأفعاله مما يتركه الآخرون بخطاباتهم.

وإذا كانت الحكومات تقاس بحجم ما تنجزه، فإنها تقاس أيضا بمدى قدرتها على تحسين حياة الناس. لأن التنمية ليست مجرد مشاريع إسمنتية أو أرقام في التقارير الدولية، بل هي شعور المواطن بأن أوضاعه تتحسن وأن مستقبله ومستقبل أبنائه يسير في الاتجاه الصحيح.

واليوم، وأكثر من أي وقت مضى، يحتاج المغرب إلى ثقافة سياسية جديدة تقوم على الكفاءة والمحاسبة والنتائج، لا على التسويق والتبرير وصناعة الصور الجميلة. فالأوطان لا تتقدم بالأوهام مهما كانت براقة، بل تتقدم بالكفاءات التي تعرف حجم التحديات وتمتلك الجرأة والإرادة لمواجهتها.

وفي النهاية، يبقى الفرق كبيرا بين من يسعى إلى حل المشكلات ومن يسعى إلى إخفائها، وبين من يصنع الإنجاز ومن يصنع الوهم. أما المواطن، فقد أصبح أكثر وعيا من أي وقت مضى، وهو يدرك جيدا أن المستقبل لا يبنى بالشعارات، بل بالكفاءة والصدق والعمل الجاد.

فالمغرب في حاجة إلى الكفاءة لا إلى صناعة الوهم.