بين النص والواقع: أين تتعثر السياسات العمومية؟

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية

في الدول التي اختارت بناء مؤسساتها على أساس القانون والدستور، لا تكمن قوة الدولة فقط في قدرتها على إنتاج النصوص، ولا في كثرة القوانين والمراسيم والاستراتيجيات التي تعلنها، وإنما في قدرتها على تحويل هذه النصوص إلى واقع ملموس يشعر به المواطن في حياته اليومية. فالقانون مهما كان متقدما يظل مجرد إطار نظري إذا لم يجد إدارة قادرة على تطبيقه، وسياسة عمومية مهما كانت أهدافها نبيلة تفقد جزءا كبيرا من قيمتها إذا لم تصل نتائجها إلى المواطن.

ومن هنا يطرح الواقع المغربي سؤالا يستحق النقاش بهدوء وموضوعية: أين تتعثر السياسات العمومية عندما تكون الأهداف واضحة، والنصوص موجودة، والموارد مرصودة، والإرادة السياسية معلنة؟

السؤال لا يتعلق بالضرورة بغياب الرؤية، ولا بنقص التشريعات، وإنما بالفجوة التي يمكن أن تنشأ بين القرار والتنفيذ، وبين ما تقرره المؤسسات وما يعيشه المواطن. وهذه الفجوة هي واحدة من أكثر القضايا تعقيدا في علم السياسة والإدارة العامة، لأنها تكشف أن صناعة القرار ليست سوى المرحلة الأولى من دورة السياسة العمومية، بينما الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تنتقل القرارات من مكاتب المؤسسات إلى المجتمع.

لقد أصبح المغرب، خلال السنوات الماضية، يمتلك ترسانة مهمة من النصوص والإصلاحات والاستراتيجيات في مجالات متعددة، من الإدارة العمومية إلى الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والاستثمار والتنمية الترابية. كما أن دستور 2011 وضع مجموعة من المبادئ المرتبطة بالحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وأكد على جودة الخدمات العمومية وربط ممارسة السلطة بخدمة المواطن.

لكن السؤال الذي يجب أن يظل حاضرا هو: هل تكفي النصوص وحدها لصناعة دولة فعالة؟

الجواب بالتأكيد لا.

فبين النص والواقع توجد الإدارة، وبين القرار والنتيجة توجد آليات التنفيذ، وبين الإعلان عن الإصلاح وتحقيق أثره توجد سلسلة طويلة من المؤسسات والفاعلين والمساطر والموارد البشرية والمالية. وكل حلقة ضعيفة في هذه السلسلة يمكن أن تحول الإصلاح من مشروع واعد إلى نتيجة محدودة الأثر.

وهنا تكمن إحدى مشكلات السياسات العمومية: أن نجاحها لا يتوقف فقط على جودة القرار السياسي، وإنما على القدرة المؤسساتية على تنفيذه.

قد يكون القرار سليما، لكن الإدارة غير مستعدة لتنفيذه. وقد تكون الموارد متوفرة، لكن التنسيق بين القطاعات ضعيف. وقد تكون الأهداف محددة، لكن مؤشرات قياس النتائج غير واضحة. وقد يتم إطلاق برنامج طموح، ثم لا يخضع بعد ذلك لتقييم حقيقي يكشف ما تحقق وما لم يتحقق ومن يتحمل مسؤولية التعثر.

وهذا ما يجعل الحكامة أكثر من مجرد مفهوم متداول في الخطابات الرسمية.

الحكامة تعني في جوهرها أن تعرف الدولة ماذا تريد، وكيف ستصل إليه، ومن المسؤول عن كل مرحلة، وكيف ستقيس النتائج، وماذا ستفعل عندما لا تتحقق الأهداف.

الدولة الحديثة لا يمكن أن تكتفي بإصدار القرار، بل عليها أن تمتلك القدرة على تتبع مساره حتى يصل إلى المواطن.

فالمواطن لا يتعامل مع القانون في صورته المجردة، وإنما يتعامل مع آثاره. لا يهمه كثيرا أن تكون هناك استراتيجية ممتازة إذا لم يجد المدرسة التي يستحقها أبناؤه، أو المستشفى الذي يحتاج إليه، أو الإدارة التي تستجيب لطلبه في الوقت المناسب، أو المساطر التي تحترم وقته وكرامته.

وهنا يظهر الفرق بين دولة النص ودولة الأثر.

دولة النص تسأل: هل أصدرنا القانون؟

أما دولة الأثر فتسأل: ماذا غير هذا القانون في حياة المواطن؟

الأولى تقيس النشاط، والثانية تقيس النتيجة.

الأولى تحتفل بعدد البرامج والمراسيم والمشاريع، والثانية تسأل عن جودة الخدمات والنتائج والاستدامة.

وهذا التحول في طريقة التفكير ضروري إذا أردنا أن ننتقل من إدارة تقوم بتدبير الملفات إلى دولة تقيس نجاحها بما تحققه للمجتمع.

ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث للسياسات العمومية هو أن تتحول إلى عملية تقنية مغلقة بين المؤسسات، بينما يبقى المواطن خارج دائرة التقييم. فالسياسة العمومية لا تنجح فقط لأنها صممت داخل مكاتب الخبراء، وإنما لأنها تستجيب لحاجة حقيقية، وتصل إلى الفئات المستهدفة، وتنتج أثرا قابلا للقياس.

ولهذا فإن الاستماع إلى المواطن ليس عملا تواصليا فقط، بل هو جزء من صناعة السياسة العمومية نفسها.

المواطن يعرف أين تتعطل المسطرة، وأين يضيع الوقت، وأين تتكرر الوثائق، وأين يفشل التنسيق، وأين تصبح الإدارة عبئا بدل أن تكون خدمة. ولذلك فإن إشراكه في تقييم السياسات ليس امتيازا، وإنما أحد شروط الحكامة الحديثة.

ومن زاوية أخرى، فإن مشكلة التنفيذ ترتبط أيضا بمسألة المسؤولية.

عندما تنجح السياسة العمومية، تتعدد الجهات التي تنسب إليها النتيجة. لكن عندما تتعثر، تبدأ عملية البحث عن المسؤولية بين القطاعات والإدارات والمؤسسات. وهنا تصبح قاعدة ربط المسؤولية بالمحاسبة أكثر من مجرد مبدأ دستوري، بل آلية ضرورية لحماية الدولة من ثقافة إلقاء المسؤولية على الآخرين.

لا يمكن بناء إدارة فعالة إذا كان الفشل بلا مسؤول، ولا يمكن تطوير السياسات العمومية إذا لم نعرف لماذا فشلت بعض البرامج، وأين وقع الخلل، ومن كان مسؤولا عن معالجته.

المساءلة ليست عقوبة بالضرورة، بل وسيلة للتعلم المؤسسي.

فالدولة التي لا تقيم أخطاءها تعيد إنتاجها.

والإدارة التي لا تتعلم من تجاربها تتحول إلى جهاز يكرر الإجراءات نفسها حتى عندما تتغير الظروف.

والسياسة العمومية التي لا تخضع للتقييم تتحول إلى غاية في حد ذاتها، بدلا من أن تكون وسيلة لتحقيق نتائج اجتماعية واقتصادية ملموسة.

ومن هنا فإن المغرب يحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى ترسيخ ثقافة **التقييم قبل الاحتفال بالنتائج**.

نحتاج إلى أن نسأل عن تكلفة كل سياسة، وعن نتائجها، وعن المستفيدين منها، وعن الفئات التي بقيت خارجها، وعن الفوارق الترابية في الاستفادة منها، وعن مدى قدرتها على الاستمرار.

كما نحتاج إلى الانتقال من منطق الأرقام إلى منطق المؤشرات.

فعدد المستفيدين مهم، لكنه لا يكفي.

وعدد المشاريع مهم، لكنه لا يكفي.

وحجم الميزانية المرصودة مهم، لكنه لا يكفي.

المعيار الأهم هو: ماذا تغير فعليا؟

وهذا السؤال يقودنا إلى قضية أكبر تتعلق بمفهوم الدولة نفسها.

الدولة القوية ليست الدولة التي تنتج أكبر عدد من القوانين، ولا الدولة التي تعلن أكبر عدد من الاستراتيجيات، وإنما الدولة التي تمتلك مؤسسات قادرة على تحويل قراراتها إلى نتائج. قوة الدولة تظهر في قدرتها على التنفيذ، وفي انتظام خدماتها، وفي قدرتها على احترام الآجال، وفي سرعة تصحيح الأخطاء، وفي قدرتها على الوصول إلى المواطن أينما كان.

ومن هنا فإن إصلاح الإدارة ليس ملفا تقنيا منفصلا عن السياسة، بل هو في صميم السياسة.

فكل إصلاح سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي يمر في النهاية عبر الإدارة. وإذا كانت الإدارة ضعيفة، فإن جزءا من قوة القرار السياسي يضيع في الطريق.

ولهذا ينبغي ألا ننظر إلى الإدارة باعتبارها مجرد جهاز لتنفيذ التعليمات، وإنما باعتبارها جزءا من القدرة الاستراتيجية للدولة.

إن المغرب الذي يريد تعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات يحتاج إلى تقليص المسافة بين ما يقال وما ينفذ، وبين ما يقرر وما يتحقق، وبين النص وما يعيشه الناس.

فالثقة لا تبنى بالخطاب وحده.

الثقة تبنى عندما يلاحظ المواطن أن القانون يطبق، وأن الإدارة تستجيب، وأن الخدمة العمومية تتحسن، وأن المسؤول يحاسب، وأن السياسة العمومية تغير واقعا كان يحتاج إلى التغيير.

ومن هنا فإن المعركة الحقيقية ليست بين نص وآخر، ولا بين استراتيجية وأخرى، وإنما بين القرار الذي يبقى على الورق والقرار الذي يتحول إلى أثر.

ولعل هذا هو التحدي الأكبر أمام السياسات العمومية اليوم: كيف نضمن ألا تبقى الإصلاحات حبيسة الوثائق، وألا تتحول الاستراتيجيات إلى عناوين جميلة في التقارير، وألا يصبح المواطن مجرد متلق للسياسات بدلا من أن يكون معيار نجاحها؟

إن الإجابة لا تحتاج بالضرورة إلى مزيد من النصوص، بقدر ما تحتاج إلى تحسين القدرة على التنفيذ، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات، وربط الموارد بالنتائج، وتطوير أدوات التقييم، وفتح المجال أمام الخبرة، والاستماع إلى المواطن، وتحديد المسؤوليات بوضوح.

ففي نهاية المطاف، لا يستطيع المواطن أن يعيش داخل القانون، وإنما يعيش داخل نتائجه.

ولا يستطيع أن يستفيد من استراتيجية موجودة في وثيقة، وإنما من خدمة موجودة أمامه.

ولا يستطيع أن يلمس الحكامة في الخطاب، وإنما في الإدارة التي تحترم وقته وحقوقه وكرامته.

لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل سياسة عمومية جديدة ليس فقط: **هل لدينا النص؟**

بل:

هل لدينا القدرة على تنزيله؟

وليس فقط: هل وضعنا الاستراتيجية؟

بل:

هل حققت أثرا؟

وليس فقط: هل رصدنا الميزانية؟

بل:

هل وصلت نتائجها إلى المواطن؟

هنا تحديدا تبدأ دولة المؤسسات في معناها الحقيقي.

فالنص هو البداية، والقرار هو البداية، والاستراتيجية هي البداية.

أما النجاح الحقيقي، فلا يبدأ إلا عندما يتحول كل ذلك إلى واقع.

لأن المسافة بين النص والواقع ليست مجرد مسافة إدارية، بل هي المسافة التي تقاس فيها قوة الدولة ونجاعة مؤسساتها وثقة المواطن فيها.