بين وعود الخمسة في المائة وواقع الميزانية: هل تملك الحكومة ثمن برنامجها أم تملك فقط لغة الطموح؟

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري — طالب باحث في سلك الدكتوراه في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية

ليست قوة البرنامج الحكومي في عدد صفحاته، ولا في كثرة الأهداف التي يعلنها، كما أن قوة مشروع قانون المالية لا تقاس فقط بحجم المداخيل والنفقات والاستثمارات التي يتضمنها. الاختبار الحقيقي لأي حكومة هو قدرتها على تحويل الالتزامات السياسية إلى اعتمادات مالية قابلة للتنفيذ، ثم تحويل هذه الاعتمادات إلى نتائج يشعر بها المواطن في دخله وفرص عمله وجودة مدرسته ومستشفاه وظروف عيشه. ومن هنا، فإن المقارنة بين البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031 ومشروع قانون المالية لسنة 2027 ليست تمرينا تقنيا في قراءة الأرقام، بل مدخل لفهم مدى الانسجام بين الطموح السياسي والقدرة المالية للدولة.

فالبرنامج الحكومي يعلن الانتقال إلى مرحلة جديدة عنوانها النمو المنتج، وخلق الثروة وفرص الشغل، وتقوية الدولة الاجتماعية، وتقليص الفوارق المجالية، وربط الإنفاق العمومي بالنتائج. ويضع هدفا يتمثل في تحقيق نمو اقتصادي متوسط قدره 5 في المائة سنويا خلال الفترة 2027-2031، مع التحكم في عجز الميزانية في حدود 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام، وخفض دين الخزينة إلى نحو 62 في المائة من الناتج الداخلي الخام في أفق 2031. أما مشروع قانون المالية لسنة 2027، فينطلق من توقع نمو في حدود 3.7 في المائة، وعجز ميزانياتي في حدود 3 في المائة، ودين للخزينة يناهز 66.9 في المائة من الناتج الداخلي الخام.

هنا تبدأ الأسئلة التي ينبغي ألا تغيب عن النقاش البرلماني والعمومي: كيف ستنتقل الحكومة من نمو متوقع في حدود 3.7 في المائة خلال السنة الأولى إلى متوسط يبلغ 5 في المائة على امتداد الولاية؟ وما القطاعات التي ستقود هذا التسارع؟ وما حجم مساهمة الاستثمار الخاص والصادرات والإنتاجية في تحقيقه؟ والأهم، ما الإجراءات التي ستتخذها الحكومة إذا لم تتحقق الفرضيات التي بنيت عليها الميزانية؟

لا يتعلق الأمر بالتقاط اختلاف بين رقمين لتسجيل نقطة سياسية ضد الحكومة، بل بضرورة التمييز بين الهدف والفرضية. فالهدف متوسط المدى، والفرضية السنوية تقدير اقتصادي قابل للتغير. لكن الحكومة مطالبة بأن تشرح المسار الذي يربط بينهما، وأن تقدم سيناريوهات بديلة في حالة الجفاف أو تباطؤ الطلب الخارجي أو ارتفاع كلفة التمويل. فالمالية العمومية الرشيدة لا تبنى على افتراض أن الظروف ستسير دائما كما نريد، وإنما على الاستعداد لما قد يحدث خلافا لما نتوقع.

أولا: الاستثمار الكبير لا يكفي إذا لم نعرف مردوديته

يمنح البرنامج الحكومي للاستثمار دورا مركزيا في تحريك الاقتصاد وخلق فرص الشغل، ويؤكد مشروع قانون المالية لسنة 2027 بدوره أهمية المجهود الاستثماري العمومي، الذي يرتقب أن يبلغ نحو 400 مليار درهم وفق المعطيات المعلنة. ويبدو الرقم، للوهلة الأولى، دليلا على استمرار الدولة في تعبئة موارد كبيرة لتطوير البنيات التحتية وتحفيز النشاط الاقتصادي. غير أن القراءة المالية الدقيقة تقتضي التمييز بين المجهود الاستثماري الإجمالي للقطاع العام وبين نفقات الاستثمار المدرجة في الميزانية العامة للدولة؛ فهما رقمان مختلفان من حيث النطاق والمكونات، ولا يجوز التعامل معهما كما لو كانا اعتمادا ماليا واحدا.

وهذه ليست ملاحظة شكلية. فالمجهود الاستثماري الإجمالي قد يشمل استثمارات الدولة والمؤسسات والمقاولات العمومية وفاعلين عموميين آخرين، بينما تعكس نفقات الاستثمار في الميزانية العامة جزءا محددا من هذا المجهود. لذلك فإن السؤال ليس فقط: كم ستستثمر الدولة؟ بل أيضا: من سيمول كل مشروع؟ وما حصة الميزانية العامة؟ وما حجم التمويل الذي ستتحمله المؤسسات العمومية؟ وما الالتزامات المستقبلية التي قد تنتج عن الضمانات أو الشراكات أو عقود الأداء؟

إن جمع الاستثمارات في رقم إجمالي كبير قد يكون مفيدا لتقدير حجم النشاط الاستثماري، لكنه لا يغني عن نشر صورة مفصلة عن مصادر التمويل ومخاطره ومردوديته. فالمشروع الذي يمول من الميزانية ليس كالمشروع الذي تنجزه مؤسسة عمومية بمواردها أو باقتراضها، كما أن الشراكة مع القطاع الخاص لا تعني اختفاء الكلفة، بل قد تعني توزيعها على سنوات أو نقل جزء منها إلى المستقبل.

ومن هنا، أقترح أن يصاحب كل عرض سنوي للاستثمار العمومي جدول موحد يبين قيمة المشاريع حسب الجهة والقطاع، ومصدر التمويل، ونسبة الإنجاز المادي والمالي، والكلفة النهائية المتوقعة، وعدد فرص الشغل المستدامة، وحجم القيمة المضافة المحلية. وينبغي كذلك نشر تقييم لاحق للمشاريع الكبرى، حتى لا تتحول الميزانية إلى سجل للالتزامات والاعتمادات دون معرفة ما تحقق فعلا.

فالمردودية العمومية لا تقاس بعدد الكيلومترات المنجزة أو المبالغ المصروفة فقط، بل أيضا بما إذا كان الطريق قد خفض كلفة النقل، وما إذا كان المستشفى قد قلص مدة الانتظار، وما إذا كانت المنطقة الصناعية قد خلقت وظائف مستقرة، وما إذا كان الاستثمار قد وسع القاعدة الإنتاجية الوطنية. وكل درهم عمومي ينبغي أن يجيب عن سؤال واضح: ما القيمة الاقتصادية أو الاجتماعية التي أضافها؟

ثانيا: مليون فرصة شغل… أين الحساب الذي يقود إلى النتيجة؟

يضع البرنامج الحكومي خلق مليون فرصة شغل في صلب طموحه الاقتصادي، ويعلن أن التشغيل ينبغي أن يصبح معيارا لتقييم السياسات الاستثمارية والقطاعية والترابية. وهذه نقطة مهمة، لأن الاقتصاد لا يمكن أن ينجح اجتماعيا إذا ارتفعت استثماراته دون أن تتوسع قدرته على إدماج الباحثين عن العمل وتحسين جودة الوظائف.

لكن الرقم المستهدف، مهما كانت أهميته، يحتاج إلى تفكيك محاسبي واقتصادي. فكم من فرص الشغل المنتظرة سيأتي من الصناعة؟ وكم من السياحة والفلاحة والخدمات والاقتصاد الرقمي؟ وما المساهمة المتوقعة للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة؟ وكم من هذه الفرص سيكون شغلا جديدا صافيا، وكم منها سيعوض وظائف مفقودة أو سيحول أنشطة غير مهيكلة إلى أنشطة مصرح بها؟ وما نصيب النساء والشباب والجهات التي تعاني معدلات أعلى من الهشاشة؟

إن الإعلان عن هدف إجمالي لا يكفي لتقييم السياسة التشغيلية، خصوصا أن فرص الشغل تختلف في جودتها واستدامتها وأجورها ومستوى الحماية الاجتماعية التي توفرها. وظيفة موسمية قصيرة الأجل ليست معادلة لوظيفة مستقرة ذات أجر لائق، كما أن ارتفاع عدد التصريحات الاجتماعية لا يعني بالضرورة أن الاقتصاد خلق العدد نفسه من الوظائف الصافية؛ فقد يعكس جزء منه تسوية وضعيات كانت قائمة من قبل.

أما مشروع قانون المالية، فيجب أن يقرأ من زاوية ما يخصصه من موارد وبرامج لتكوين الكفاءات، وتحفيز الاستثمار المنتج، ودعم المقاولات، وتحسين البنية التحتية التي تخفض كلفة الإنتاج. ومن الخطأ اعتبار عدد المناصب المحدثة في الوظيفة العمومية مقياسا للهدف الحكومي الإجمالي للتشغيل، لأن المجالين مختلفان: الأول يتعلق بالتوظيف العمومي، والثاني بمجموع فرص العمل التي يفترض أن يولدها الاقتصاد.

ولذلك، فإن الاقتراح العملي هو إحداث لوحة قيادة وطنية للتشغيل ترتبط مباشرة بالبرنامج الحكومي وقانون المالية، وتنشر كل ثلاثة أشهر مؤشرات عن الوظائف الصافية حسب القطاع والجهة والجنس والفئة العمرية، مع التمييز بين الوظائف الدائمة والموسمية، وبين التصريحات الجديدة والتسويات الإدارية. كما ينبغي ربط جزء من التحفيزات العمومية الممنوحة للمقاولات بتحقيق التزامات قابلة للتحقق في التشغيل والتكوين والإدماج المحلي، مع آليات لاسترجاع الدعم أو تعليقه عند الإخلال الجوهري بالشروط المتعاقد بشأنها.

بهذا فقط يصبح التشغيل معيارا فعليا لتوجيه المال العام، لا مجرد عنوان يرافق كل برنامج اقتصادي.

ثالثا: الانضباط المالي مطلوب… لكن بأي ثمن اجتماعي؟

يتبنى البرنامج الحكومي هدف التحكم في عجز الميزانية في حدود 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام، وهو هدف ينسجم مع الحاجة إلى الحفاظ على استقرار المالية العمومية والحد من تزايد المديونية. لكن الانضباط المالي ليس غاية مستقلة عن التنمية، بل وسيلة لضمان استدامة الخدمات العمومية والاستثمار والقدرة على مواجهة الأزمات.

ومن هنا ينبغي طرح سؤال أكثر عمقا: كيف يمكن الجمع بين تقليص العجز، وخفض المديونية، وتوسيع الاستثمار، وتحسين الخدمات الاجتماعية، وتخفيف العبء الضريبي عن الأسر والمقاولات؟ لا توجد إجابة سحرية عن هذا السؤال، لأن كل خيار مالي يفرض مفاضلات وتكاليف وفرصا بديلة.

فإذا اختارت الدولة تخفيض المداخيل الضريبية، وجب أن توضح كيف ستعوض الموارد المفقودة أو كيف ستوزع أثر التخفيض على السنوات المقبلة. وإذا رفعت نفقات الاستثمار، وجب تقييم مردوديتها وقدرتها على توليد النمو والمداخيل المستقبلية. وإذا وسعت الدعم الاجتماعي، وجب تأمين تمويل مستدام يضمن انتظامه من دون أن يزاحم الإنفاق الضروري على الصحة والتعليم والبنية التحتية.

وتزداد أهمية هذا النقاش عندما نلاحظ أن البرنامج الحكومي يستهدف خفض دين الخزينة إلى نحو 62 في المائة من الناتج الداخلي الخام في أفق 2031، في حين يقدر مشروع قانون المالية لسنة 2027 الدين بنحو 66.9 في المائة. وهذا لا يعني أن هدف 2031 مستحيل، لكنه يجعل المسار السنوي لخفض الدين بحاجة إلى تفسير واضح، لا سيما أن نسبة الدين وحدها لا تكفي لتقييم المخاطر. فمن الضروري أيضا النظر إلى كلفة الفوائد، ومتوسط آجال الاستحقاق، وحصة الدين الخارجي، وحاجيات إعادة التمويل، والالتزامات المحتملة للمؤسسات العمومية.

والأهم أن تخفيض العجز لا ينبغي أن يتحول إلى تمرين حسابي يتم على حساب نفقات الاستثمار ذات المردودية العالية أو الخدمات الأساسية للفئات الهشة. كما لا ينبغي أن يصبح ارتفاع الإنفاق الاجتماعي مبررا لإهمال تقييم جودة هذا الإنفاق. فالمطلوب ليس الاختيار بين التوازن المالي والعدالة الاجتماعية، بل بناء توازن يجعل الموارد العمومية أكثر إنتاجية وعدالة في آن واحد.

ولهذا أقترح اعتماد ميزانية متوسطة المدى تمتد لثلاث سنوات على الأقل، تعرض لكل سنة توقعات المداخيل والنفقات والعجز والدين، وتوضح أثر السياسات الجديدة، مع سيناريو أساسي وآخر متحفظ وثالث ضاغط. وينبغي أن تتضمن هذه البرمجة كلفة القرارات الجديدة كاملة، لا كلفة سنتها الأولى فقط، حتى لا تتحول التدابير الظرفية إلى التزامات دائمة دون تمويل مستقر.

رابعا: الإصلاح الضريبي ليس مجرد تخفيض للمعدلات

يتضمن البرنامج الحكومي توجها لإصلاح الضريبة على الدخل تدريجيا خلال الفترة 2027-2031، من خلال رفع حد الدخل الصافي المعفى من 40 ألف درهم إلى 60 ألف درهم، وتقليص عدد الشرائح من خمس إلى ثلاث، واعتماد معدلات تصاعدية جديدة، مع خفض المعدل الهامشي للشريحة الأخيرة من 37 إلى 30 في المائة. ويشترط البرنامج أن يتم تنزيل الإصلاح بعد تقييم كلفته وآثاره على مداخيل الأسر والمداخيل العمومية، بالتوازي مع توسيع الوعاء الضريبي وتعزيز مكافحة التهرب.

هذه الصياغة تفتح بابا مهما للنقاش: كيف نضمن أن يتحول تخفيض العبء الضريبي إلى تحسن ملموس في الدخل المتاح للأسر، من دون إضعاف قدرة الدولة على تمويل خدماتها؟ وما أثر هذا الإصلاح على العدالة بين الأجراء الذين تقتطع الضريبة من أجورهم بانتظام، وبين الأنشطة التي لا تعكس مداخيلها المصرح بها قدرتها الاقتصادية الفعلية؟

إن تخفيض الضريبة على الأجور قد يعزز القدرة الشرائية ويشجع التصريح بالعمل، لكنه لا يعوض وحده إصلاحا أوسع للعدالة الجبائية. فالعدالة لا تقاس فقط بمقدار ما يدفعه الأجير، بل أيضا بمدى اتساع القاعدة الضريبية، وفعالية مراقبة الأنشطة غير المصرح بها، وشفافية الإعفاءات، وتوزيع العبء بين الضرائب على الاستهلاك والدخل والأرباح والممتلكات.

ومن الناحية التقنية، ينبغي أن يرفق كل إصلاح ضريبي بتقرير يحدد كلفته المباشرة على الخزينة، وأثره التوزيعي بحسب فئات الدخل، وتأثيره المتوقع على الاستهلاك والتشغيل والاستثمار. كما ينبغي نشر قائمة دورية بالنفقات الجبائية، أي الموارد التي تتخلى عنها الدولة بفعل الإعفاءات والتخفيضات والاستثناءات، مع تقييم ما إذا كانت تحقق بالفعل أهدافا اقتصادية أو اجتماعية قابلة للقياس.

وهنا أقترح قاعدة بسيطة: لا إعفاء ضريبيا دون هدف محدد، ولا تحفيز دون مدة زمنية واضحة، ولا امتياز دون تقييم مستقل لأثره، ولا استمرار في الإعفاء إذا ثبت أن كلفته أكبر من منافعه. فالإعفاء الذي لا يخلق استثمارا إضافيا أو شغلا مستداما أو منفعة اجتماعية قابلة للإثبات يتحول من أداة تحفيز إلى تكلفة صامتة تتحملها المالية العمومية.

خامسا: الدولة الاجتماعية تحتاج إلى حسابات استدامة لا إلى اعتمادات فقط

يؤكد البرنامج الحكومي أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تنتقل من تعميم الحماية الاجتماعية إلى ضمان جودتها وفعاليتها واستدامة تمويلها. كما يعترف بأن توسيع التغطية القانونية لا يكفي إذا لم يقترن بعرض صحي قادر على الاستجابة، ومدرسة عمومية ذات جودة، واستهداف اجتماعي دقيق، وربط أفضل بين الدعم والإدماج الاقتصادي.

هذه الرؤية مهمة، لكنها تفرض أن تتجاوز الميزانية عرض الاعتمادات المرصودة إلى بيان ما يمكن أن تشتريه تلك الاعتمادات من خدمات فعلية. ففي الصحة، لا يكفي أن نعرف حجم الإنفاق؛ ينبغي أن نعرف أثره على عدد الأطباء والممرضين، وتوفر الأدوية، ومواعيد العلاج، وتوزيع الموارد البشرية بين الجهات، ونسبة اللجوء إلى الأداء المباشر من جيوب الأسر. وفي التعليم، لا يكفي عد المؤسسات والمقاعد؛ بل ينبغي قياس التعلمات الأساسية، والهدر المدرسي، والانتقال إلى التكوين والشغل.

وفي الدعم الاجتماعي، لا يكفي تحديد عدد المستفيدين أو حجم التحويلات؛ بل ينبغي تقييم مدى دقة الاستهداف، وانتظام الأداء، وأثر الدعم على الفقر والهشاشة، والتكامل بينه وبين فرص الشغل والخدمات الأساسية. كما ينبغي توضيح الالتزامات المالية المستقبلية الناشئة عن توسيع التغطية الصحية وأنظمة التقاعد وغيرها من البرامج ذات الطابع الدائم.

والاقتراح هنا هو اعتماد حسابات اجتماعية متوسطة المدى، تبين كلفة كل ورش خلال السنوات الخمس المقبلة، ومصادر تمويله، وحاجياته من الموارد البشرية، والمخاطر التي قد تهدد استدامته. ويجب أن تكون هذه الحسابات مرتبطة بمؤشرات نتائج منشورة بانتظام، حتى يتمكن البرلمان والمواطنون من معرفة ما إذا كان الإنفاق الإضافي قد أدى إلى تحسن حقيقي في الخدمة.

فالدولة الاجتماعية لا تصبح مستدامة بمجرد ضبط نفقاتها، كما لا تصبح عادلة بمجرد زيادة مخصصاتها؛ إنها تحتاج إلى إنفاق كاف وفعال، وإلى خدمات متاحة بجودة مقبولة، وإلى تمويل يمكن الحفاظ عليه عبر الزمن.

سادسا: من ميزانية الوسائل إلى ميزانية النتائج

يعلن البرنامج الحكومي الانتقال من قياس الوسائل والاعتمادات إلى تقييم السياسات بناء على النتائج، ويربط نجاح الاستثمار العمومي بقدرته على خلق القيمة وفرص الشغل وتقليص الفوارق. لكن هذا الالتزام ينبغي أن يتحول إلى بنية واضحة داخل قانون المالية، لا أن يبقى مبدأ عاما في وثيقة استراتيجية.

فإذا كان البرنامج يَعِد بمليون فرصة شغل، وجب أن نجد مسارا سنويا يفسر مساهمة كل قطاع في هذا الهدف. وإذا كان يَعِد بخفض المديونية، وجب أن نجد جدولا يبين تطور الدين والعجز والفوائد وحاجيات التمويل. وإذا كان يَعِد بتقليص الفوارق المجالية، وجب أن نجد مؤشرات تقارن توزيع الاستثمار والخدمات والوظائف بين الجهات. وإذا كان يَعِد بتحسين المدرسة والمستشفى، وجب أن نجد أهدافا كمية تتعلق بالجودة والولوج والنتائج، لا الاعتمادات فقط.

إن الميزانية القائمة على النتائج لا تعني أن كل نتيجة يمكن ضمانها مسبقا، ولا أن كل سياسة عمومية يمكن اختزالها في رقم واحد. لكنها تعني تحديد أهداف قابلة للقياس، واختيار مؤشرات مناسبة، ونشر المعطيات، ومراجعة البرامج حين تظهر فجوة بين ما كان متوقعا وما تحقق. وهي كذلك تقتضي التمييز بين المخرجات المباشرة، مثل عدد المنشآت أو المستفيدين، والنتائج الفعلية، مثل تحسن التعلمات أو انخفاض زمن الانتظار أو ارتفاع الدخل أو خلق وظائف مستدامة.

ولذلك أقترح إرفاق مشروع قانون المالية بجدول تتبع موحد لأهم التزامات البرنامج الحكومي، يحدد لكل التزام خط الأساس، والهدف السنوي، والاعتماد المالي المرتبط به، والجهة المسؤولة عن التنفيذ، ومؤشر الإنجاز، ومؤشر الأثر، ومصدر المعطيات. وينبغي أن يقدم هذا الجدول للبرلمان في بداية السنة، ثم يحين في منتصفها، ويختتم بتقرير يفسر الانحرافات ويقترح الإجراءات التصحيحية.

كما ينبغي تعزيز التقييم المستقل للبرامج الكبرى، ونشر خلاصاته بلغة واضحة، مع تمكين البرلمان من تتبع التوصيات. فالمحاسبة لا تعني البحث عن مسؤول لإلقاء اللوم عليه بعد فشل المشروع، بل بناء نظام يجعل الخطأ قابلا للاكتشاف مبكرا، والتصحيح ممكنا، والموارد أقل عرضة للهدر.

سابعا: السؤال الذي يجب أن يسبق كل درهم من المال العام

إن المقارنة بين البرنامج الحكومي ومشروع قانون المالية لسنة 2027 تكشف أن التحدي ليس غياب الطموح أو انعدام الأهداف، بل الحاجة إلى بناء جسر واضح بين الالتزامات الخمسية والقرارات السنوية. فالبرنامج يرسم وجهة اقتصادية واجتماعية واسعة، فيما يحدد قانون المالية الموارد والنفقات والتدابير التي ستبدأ بها الحكومة تنفيذ تلك الوجهة. ولا يمكن الحكم على مدى الانسجام بين الوثيقتين من خلال مقارنة رقمين منفصلين، بل عبر تتبع المسار المالي والاقتصادي الذي يفترض أن يربطهما.

ومن هنا، فإن النقاش البرلماني الجاد ينبغي ألا يقتصر على سؤال الحكومة عن حجم الاستثمار أو مقدار التخفيض الضريبي أو عدد المناصب المحدثة. بل عليه أن يسأل عن كلفة كل التزام، ومصدر تمويله، وأثره المتوقع، ومخاطره، والبدائل التي تمت دراستها، والنتائج التي ستبرر استمراره. كما ينبغي أن يطالب بتوضيح العلاقة بين الاستثمار العمومي والاستثمار الخاص، وبين الحوافز المقدمة للمقاولات والقيمة المضافة التي تنتجها، وبين الدعم الاجتماعي واستدامة تمويله.

إن المالية العمومية ليست مجرد عملية جمع وطرح بين المداخيل والنفقات، بل هي فن ترتيب الأولويات في ظل موارد محدودة وحاجيات متزايدة. والقرار المالي الجيد ليس بالضرورة القرار الذي ينفق أكثر، ولا الذي يقتصد أكثر، بل الذي يوجه الموارد إلى الاستخدامات ذات المردودية الاقتصادية والاجتماعية الأعلى، مع توزيع عادل للمنافع والتكاليف وحماية قدرة الأجيال المقبلة على الاختيار.

وإذا كانت الحكومة قد جعلت ثقافة النتائج عنوانا لبرنامجها، فإن أول امتحان لها هو أن تجعل ميزانية 2027 قابلة للمساءلة على أساس النتائج نفسها. فلا يكفي أن نعرف كم أنفقت الدولة، بل ينبغي أن نعرف ماذا تغير بفضل إنفاقها. ولا يكفي أن نعرف كم استثمرت، بل ما القيمة التي خلقتها. ولا يكفي أن نعرف كم منصبا أعلنت عنه، بل كم وظيفة صافية ومستدامة أضافها الاقتصاد. ولا يكفي أن نعرف أن العجز مستهدف في حدود معينة، بل كيف سيؤثر مساره على الاستثمار والخدمات والعدالة بين الأجيال.

في النهاية، لا ينبغي أن تكون الميزانية السنوية مجرد ترجمة حسابية للبرنامج الحكومي، ولا أن يكون البرنامج الحكومي وثيقة طموح منفصلة عن القيود المالية. المطلوب هو تعاقد مالي وسياسي واضح، يجعل لكل وعد كلفة معلومة، ولكل كلفة نتيجة منتظرة، ولكل نتيجة مؤشرا قابلا للتحقق، ولكل انحراف مسارا للتصحيح.

فالدولة لا تقاس بما تعلنه من مشاريع، بل بما تنجزه من أثر؛ والميزانية لا تكتسب قيمتها من ضخامة أرقامها، بل من قدرتها على تحويل المال العام إلى شغل لائق، وخدمات جيدة، وعدالة مجالية، وثقة متجددة بين المواطن والمؤسسات.