حين تختبر السياسة معنى الوفاء

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية

في السياسة، لا تختبر الصداقة في لحظات الانسجام، ولا تختبر المبادئ عندما تكون المصالح متطابقة، وإنما يظهر معدن الإنسان عندما تتغير الظروف، وتتبدل موازين القوة، وتظهر أمامه فرص جديدة قد تدفعه إلى إعادة حساباته. هناك، تحديدا، يصبح الوفاء أكثر من مجرد كلمة جميلة، ويتحول إلى امتحان حقيقي للأخلاق السياسية وقدرة الإنسان على الحفاظ على ذاكرته ومواقفه عندما تتغير الإغراءات.

فالسياسة بطبيعتها مجال للمصالح والتنافس وتعدد المواقع، وهذا أمر طبيعي في الحياة الديمقراطية. لكن الطبيعي أيضا أن تكون للممارسة السياسية حدود أخلاقية لا يجوز تجاوزها باسم المصلحة. فالاختلاف السياسي لا يعني بالضرورة الخيانة، وتغيير الموقف لا يعني دائما غياب المبدأ، كما أن الاستمرار في دعم شخص أو مشروع لا ينبغي أن يكون قائما على المصلحة الشخصية. المسألة الأعمق هي: هل يستطيع الإنسان أن يختلف دون أن ينكر الماضي، وأن يغير موقعه دون أن يبيع قناعاته، وأن يستفيد من الفرص دون أن يجعل منها ثمنا لذاكرته؟

كثيرون يستطيعون أن يكونوا أوفياء عندما تكون الطريق مفتوحة والمكاسب مشتركة، لكن القليل يستطيعون الحفاظ على الموقف عندما يصبح الوفاء مكلفا. فالإغراء السياسي لا يأتي دائما في صورة مباشرة، وإنما قد يأتي في شكل منصب، أو وعد، أو قرب من مركز القرار، أو امتياز، أو مجرد إشارة إلى أن الطريق قد تصبح أسهل إذا تخلى الإنسان عن موقف كان يؤمن به بالأمس.

وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي. لأن الإنسان الذي يغير موقفه كلما تغيرت مصلحته لا يمارس السياسة باعتبارها مسؤولية، وإنما باعتبارها سوقا مفتوحة لإعادة ترتيب الولاءات. أما من يستطيع أن يحافظ على استقلال قراره، وأن يقول لا عندما يكون نعم أكثر ربحا، فهو يؤكد أن السياسة يمكن أن تظل مجالا للقيم رغم كل ما يحيط بها من تنافس.

الوفاء في السياسة لا يعني أن يصبح الإنسان تابعا لشخص، ولا أن يتحول الاختلاف إلى طاعة عمياء. الوفاء الحقيقي أكثر نضجا من ذلك بكثير. هو أن تحفظ للآخر حقه في الماضي، وأن تعترف بالجميل عندما يكون الاعتراف مستحقا، وأن تظل صادقا في مواقفك حتى عندما تختلف في بعض التفاصيل. وهو أيضا أن تستطيع أن تقدم النصيحة لمن تثق به عندما ترى خطأ، بدل أن تتحول الصداقة إلى مجاملة والصمت إلى وسيلة لحماية العلاقة.

ومن هنا، فإن الصداقة داخل المجال السياسي تحتاج إلى قدر كبير من النضج. فالسياسة قد تجمع أشخاصا في مشروع واحد، ثم تفرقهم في بعض الاختيارات، وقد تجعل الظروف شخصا في موقع المسؤولية وشخصا آخر في موقع مختلف. لكن ما يحدد قيمة العلاقة ليس تشابه المواقع، وإنما القدرة على احترام الإنسان خارج موقعه السياسي.

أخطر ما يمكن أن يحدث في الحياة السياسية هو أن تصبح العلاقات رهينة للمناصب. عندما يكون الشخص قريبا من مركز القرار، تكثر حوله الوجوه، وعندما تتغير موازين القوة، يبدأ بعض الذين كانوا يعلنون الولاء في البحث عن موقع جديد. عندها لا يعود السؤال عن الصداقة وحدها، بل عن طبيعة الثقافة السياسية التي تجعل بعض العلاقات مرتبطة بالمصلحة أكثر مما هي مرتبطة بالثقة.

إن الوفاء الحقيقي يظهر عندما لا تكون هناك حاجة إلى التظاهر به. يظهر عندما يغيب المقابل المباشر، وعندما لا تكون هناك مكافأة منتظرة، وعندما يصبح التخلي عن الموقف أسهل من الدفاع عنه. في تلك اللحظة فقط يمكن معرفة من كان وفيا للمبدأ ومن كان وفيا للمصلحة.

ولذلك فإن مقاومة الإغراء السياسي ليست مسألة قوة شخصية فقط، بل هي أيضا مسألة تربية سياسية وأخلاقية. فالمجتمعات التي تجعل النجاح السياسي مرادفا للنفوذ والمكاسب الشخصية تنتج بالضرورة علاقات سياسية هشة، بينما المجتمعات التي تقدر الاستقلالية والنزاهة والالتزام تجعل المنافسة السياسية أكثر ارتباطا بالأفكار والبرامج والكفاءة.

ولا يعني ذلك أن الإنسان مطالب بالبقاء في المكان نفسه إلى الأبد. فالسياسة تقوم على التحول والتجديد والاختلاف، ومن حق أي سياسي أن يعيد النظر في مواقفه وأن يختار طريقا مختلفا. لكن الفرق كبير بين تغيير الموقف نتيجة اقتناع جديد، وبين تغيير الموقف لأن هناك من قدم عرضا أفضل. الأول ممارسة طبيعية للسياسة، والثاني يكشف هشاشة المبدأ عندما يصطدم بالمصلحة.

لهذا، ربما يكون السؤال الأهم في السياسة ليس: من بقي مع من؟ وإنما: لماذا بقي؟ وهل بقي لأنه يؤمن بالمشروع والقيم التي جمعته بالآخر، أم لأنه ينتظر مقابلا؟ وبالمقابل، ليس كل من غادر خائنا، كما أن ليس كل من بقي وفيا. فالمعيار الحقيقي هو صدق الموقف واستقلال القرار واحترام الذاكرة السياسية.

في النهاية، السياسة قد تغير المواقع، لكنها لا ينبغي أن تغير معدن الإنسان. قد يرتفع شخص اليوم ويتراجع غدا، وقد يتقدم مشروع ويتعثر آخر، وقد تتبدل التحالفات والاصطفافات، لكن هناك شيئا ينبغي أن يبقى خارج بورصة السياسة: الكلمة، والذاكرة، والاحترام، والوفاء.

فالسياسي الحقيقي لا يقاس فقط بعدد المناصب التي وصل إليها، ولا بعدد التحالفات التي عقدها، وإنما أيضا بقدرته على أن يقول: هذا الإنسان كان إلى جانبي في لحظة صعبة، وهذا المشروع جمعنا يوما، وهذه الثقة لا يمكن أن تتحول إلى سلعة بمجرد أن تتغير الظروف.

وفي زمن أصبحت فيه الإغراءات السياسية أكثر تنوعا، يصبح الوفاء قيمة نادرة، لا لأنه يعني التمسك بالأشخاص مهما حدث، وإنما لأنه يعني أن يظل الإنسان قادرا على التمييز بين المبدأ والمصلحة، وبين الصداقة والتبعية، وبين الوفاء والصفقة.

فأصعب اختبار للإنسان في السياسة ليس عندما يخسر شيئا بسبب موقفه، بل عندما يستطيع أن يربح الكثير إذا تخلى عنه. هناك فقط، يظهر الفرق بين من يملك موقفا، ومن يملك ثمنا لموقفه.