حين تصبح الانتخابات موعدا للحساب: هل نحن أمام ديمقراطية الاختيار أم ديمقراطية العقاب؟
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية
كلما اقترب موعد الانتخابات، يعود النقاش السياسي في المغرب إلى الواجهة، وتبدأ الأحزاب في ترتيب أوراقها، وإعادة صياغة خطاباتها، واستدعاء وعودها، وتقديم نفسها للمواطن باعتبارها الأقدر على قيادة المرحلة المقبلة. لكن الانتخابات، في معناها الديمقراطي العميق، لا ينبغي أن تكون مجرد موسم لتسويق البرامج أو مناسبة لتغيير الوجوه، وإنما لحظة سياسية ودستورية يعود فيها القرار إلى صاحبه الأصلي: المواطن.
فالصندوق الانتخابي ليس صندوقا للذاكرة القصيرة، ولا مساحة لمحو السنوات السابقة بمجرد إطلاق وعود جديدة. إنه في جوهره أداة للمحاسبة السياسية، بقدر ما هو أداة للاختيار. ولذلك فإن الاستحقاق الانتخابي المقبل يطرح سؤالا يتجاوز من سيفوز ومن سيخسر: هل سيذهب المغاربة إلى صناديق الاقتراع لاختيار مشروع سياسي، أم للقول لمن تحملوا مسؤولية تدبير الشأن العام خلال المرحلة السابقة إن زمن الحساب قد حان؟
هذا السؤال لا يحمل في ذاته أي موقف مسبق من حزب أو حكومة أو تيار سياسي، وإنما يعكس طبيعة الديمقراطية نفسها. فالحكم الديمقراطي لا يقوم فقط على منح الشرعية، بل يقوم أيضا على إمكانية سحبها عندما يرى المواطن أن من منحهم ثقته لم يكونوا في مستوى انتظاراته. ومن هنا تصبح الانتخابات دورة متكاملة تبدأ بالاختيار، ثم تأتي بعدها المسؤولية، ثم التقييم، وأخيرا تجديد الثقة أو سحبها.
وهذا هو الفارق بين الديمقراطية باعتبارها مجرد إجراء انتخابي، والديمقراطية باعتبارها ثقافة سياسية ومؤسساتية.
ففي الحالة الأولى، يصبح يوم الاقتراع هو كل شيء. أما في الحالة الثانية، فإن الانتخابات لا تكون إلا بداية لمسار طويل من المساءلة. المواطن يصوت، والحكومة تدبر، والبرلمان يراقب ويشرع، والمؤسسات تشتغل، والمجتمع يتابع، ثم يأتي الموعد الذي يعود فيه المواطن إلى الصندوق وهو يحمل في ذاكرته ما تحقق وما لم يتحقق.
ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للعملية الديمقراطية هو أن تتحول الانتخابات إلى لحظة منفصلة عن الحصيلة. أن يأتي المرشح بعد سنوات من تدبير الشأن العام وكأنه يبدأ من الصفر، وأن يتحدث عن المستقبل دون أن يجيب عن أسئلة الماضي، وأن يطلب ثقة جديدة دون أن يشرح بوضوح ماذا فعل بالثقة التي حصل عليها سابقا.
المواطن، في نهاية المطاف، ليس مطالبا بأن ينسى.
وإذا كان من حق الأحزاب أن تقدم نفسها من جديد، فمن حق المواطن أيضا أن يستحضر ما عاشه، وما سمعه من وعود، وما تحقق منها، وما بقي حبيس الخطابات. ومن حقه أن يقارن بين ما قيل قبل الانتخابات وما حدث بعدها، وأن يسأل عن الفارق بين البرنامج والواقع، وبين الالتزام والنتيجة.
وهنا تظهر أهمية مفهوم المسؤولية السياسية.
ففي النظام الدستوري، لا يمكن فصل السلطة عن المسؤولية. من يتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام يجب أن يكون مستعدا لتقديم الحساب السياسي عن خياراته، ليس فقط أمام المؤسسات الدستورية، وإنما أيضا أمام الرأي العام والناخبين.
ولا تعني المحاسبة السياسية بالضرورة الإدانة أو الاتهام. إنها تعني ببساطة أن المسؤول العمومي لا يستطيع أن يطالب بثقة جديدة دون أن يخضع لتقييم التجربة السابقة.
وهذا من صميم الديمقراطية.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الانتخابات إلى مجرد منافسة على الذاكرة. عندما تراهن بعض القوى السياسية على أن المواطن سينسى، أو أن الخطاب الجديد سيغطي على الحصيلة القديمة، أو أن الخصم السياسي يمكن تحميله كل شيء، بينما تختفي المسؤولية الفردية والمؤسساتية وراء ضجيج الحملة الانتخابية.
إن المواطن المغربي اليوم ليس هو نفسه مواطن الأمس. لقد تغيرت وسائل المعرفة، واتسعت مصادر المعلومات، وأصبح المواطن قادرا على مقارنة التصريحات والوعود بالوقائع. لم تعد المعلومة تصل إليه فقط عبر الخطب والتجمعات، وإنما أصبحت بين يديه في الهاتف، وفي مواقع التواصل، وفي تقارير المؤسسات، وفي تجارب الناس اليومية.
وهذا يعني أن الانتخابات المقبلة ستجري في بيئة سياسية أكثر تعقيدا من السابق.
فالناخب لم يعد يسمع فقط ما يقوله المرشح عن نفسه، وإنما يستطيع أن يبحث أيضا عما قاله قبل سنوات، وما فعله عندما كان في موقع المسؤولية، وكيف صوت داخل المؤسسات، وما هي مواقفه السابقة، وما الذي تغير في خطابه، ولماذا تغير.
ومن هنا فإن زمن الخطاب الانتخابي السهل يقترب من نهايته.
لم يعد المواطن يريد فقط من يقول له ماذا سيفعل، وإنما يريد أن يعرف أيضا ماذا فعل عندما أتيحت له فرصة الفعل.
وهذا يضع الأحزاب السياسية أمام امتحان حقيقي.
هل ستدخل الانتخابات المقبلة بمنطق المستقبل فقط، أم ستملك الشجاعة السياسية للدفاع عن حصيلتها ومناقشة أخطائها والاعتراف بما لم تستطع تحقيقه؟
إن الاعتراف بالفشل الجزئي ليس ضعفا سياسيا كما يعتقد البعض، بل قد يكون في كثير من الأحيان دليلا على النضج. فالحزب الذي يقول للمواطن: «أخطأنا هنا، ونجحنا هناك، ولم نتمكن من تحقيق هذا الوعد بسبب هذه الأسباب» يمكن أن يكون أكثر إقناعا من حزب يقدم نفسه باعتباره لم يخطئ قط.
فالسياسة ليست علما للكمال، والحكومات لا تملك عصا سحرية، والظروف الدولية والإقليمية والاقتصادية يمكن أن تعرقل الكثير من البرامج. لكن ما ينتظره المواطن هو الصدق في تفسير النتائج، والوضوح في تحمل المسؤولية، والقدرة على تصحيح المسار.
وهنا نصل إلى جوهر الديمقراطية: المواطن لا يعاقب بالضرورة من أخفق، وإنما يعاقب من أخفق ثم تصرف وكأنه لم يفعل.
إن الانتخابات قد تكون في بعض الأحيان انتخابات اختيار، لكنها قد تكون أيضا انتخابات تقييم، وقد تتحول إلى انتخابات عقاب سياسي. وهذا أمر طبيعي في الأنظمة الديمقراطية، ما دام يتم داخل المؤسسات وبالوسائل السلمية والقانونية.
فالمواطن الذي يسحب صوته من حزب سبق أن منحه إياه لا يخون الديمقراطية، بل يمارسها. والناخب الذي يغير اختياره ليس بالضرورة متقلبا، وإنما قد يكون ببساطة قد أعاد تقييم موقفه بناء على تجربة عاشها.
وهذا هو معنى السيادة الشعبية.
إن أخطر شيء يمكن أن تفعله الأحزاب هو أن تنظر إلى المواطن باعتباره مجرد رقم انتخابي. فالمواطن ليس «كتلة أصوات»، ولا هو مجرد أداة للوصول إلى البرلمان أو الحكومة. إنه صاحب حق سياسي، وصاحب قرار، وصاحب ذاكرة.
والصوت الانتخابي لا يملك قيمته فقط يوم يوضع في الصندوق، وإنما تكتسب قيمته الحقيقية عندما يعرف صاحبه لمن منحه، ولماذا منحه، وما الذي ينتظره ممن حصل عليه.
ومن هنا فإن الاستحقاقات المقبلة ينبغي أن تكون مناسبة لإعادة الاعتبار للسياسة نفسها.
لا نحتاج إلى مزيد من الصراخ، ولا إلى تحويل الانتخابات إلى معارك شخصية، ولا إلى إغراق المواطن في الوعود التي يصعب تنفيذها. ما نحتاجه هو نقاش جدي حول الخيارات الكبرى: أي نموذج اقتصادي نريد؟ كيف نخلق فرص الشغل؟ كيف نحمي الطبقة المتوسطة؟ كيف نواجه الفوارق الاجتماعية والمجالية؟ كيف نطور التعليم والصحة؟ وكيف نجعل الإصلاحات الدستورية والمؤسساتية أكثر ارتباطا بالحياة اليومية للمواطن؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تتصدر الحملة الانتخابية.
أما أن تتحول الانتخابات إلى مجرد تبادل للاتهامات، أو إلى معركة حول الأشخاص، أو إلى سوق للوعود، فإن ذلك لن يؤدي إلا إلى تعميق أزمة الثقة التي تعاني منها السياسة في عدد من المجتمعات الديمقراطية، وليس المغرب استثناء منها.
وفي المقابل، فإن المسؤولية تقع أيضا على المواطن.
فلا يمكن أن نطالب الأحزاب بالنضج السياسي ثم نقبل نحن بتحويل الانتخابات إلى علاقات شخصية أو مصالح ظرفية. ولا يمكن أن نطالب بمحاربة الفساد الانتخابي بينما نتعامل مع الصوت باعتباره سلعة. ولا يمكن أن ننتظر ديمقراطية قوية إذا لم نمارس نحن أيضا مسؤوليتنا كمواطنين.
الديمقراطية ليست خدمة تقدمها الدولة للمواطن، وإنما شراكة في صناعة القرار.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق الانتخابات ليس فقط: من سيحكم؟
بل أيضا: من يستحق أن نحمله مسؤولية الحكم؟
والفارق بين السؤالين كبير.
الأول يبحث عن الفائز.
أما الثاني فيبحث عن الجدارة.
والسياسة في حاجة اليوم إلى الانتقال من منطق البحث عن الفائز إلى منطق البحث عن الأجدر بتحمل المسؤولية.
ولعل أهم ما يمكن أن تفعله الأحزاب خلال المرحلة المقبلة هو أن تتعامل مع الناخب باعتباره شريكا في القرار، لا مجرد هدف انتخابي. أن تقدم له برنامجا واضحا، وأن تحدد أولوياتها، وأن تشرح كيف ستنفذها، وأن تقدم أرقاما قابلة للقياس، وأن تقبل منذ البداية بأن المواطن سيعود بعد سنوات ليسأل: ماذا فعلتم؟
ذلك هو جوهر التعاقد السياسي.
فالديمقراطية لا تمنح شيكا على بياض.
والانتخابات لا تعني أن المواطن يسلم قراره لمن اختاره ثم ينسحب من الحياة العامة. بل تعني أن المواطن يمنح تفويضا محددا في الزمن، ويظل من حقه أن يراقب ويحاسب ويغير اختياره عندما يحين الموعد.
ومن هذه الزاوية، فإن الانتخابات المقبلة قد تكون لحظة مهمة لإعادة بناء العلاقة بين المواطن والسياسة، إذا تعاملت معها الأحزاب باعتبارها امتحانا حقيقيا للمصداقية، لا مجرد معركة انتخابية.
وقد تكون أيضا لحظة فارقة في تحديد ما إذا كنا ننتقل فعلا نحو ثقافة سياسية جديدة، يكون فيها المسؤول مطالبا بالدفاع عن حصيلته، والمواطن واعيا بقوة صوته، والحزب مدركا أن الوصول إلى السلطة ليس نهاية الطريق وإنما بداية المسؤولية.
في الديمقراطية، لا توجد سلطة بلا مساءلة، ولا ثقة بلا اختبار، ولا تفويض بلا حساب.
ولذلك، فإن الصندوق الانتخابي المقبل لن يكون مجرد مكان لاختيار ممثلي الأمة.
سيكون، بالنسبة إلى كثير من المواطنين، مرآة لسنوات مضت.
سيضعون أمامه وعودا سمعوها، وقرارات عاشوا آثارها، ومشاريع رأوا نتائجها، وأخرى لم يروا منها شيئا، وسيقررون بعدها إن كانوا سيمنحون الثقة من جديد أم سيبحثون عن بديل.
وفي النهاية، قد لا تكون الانتخابات المقبلة مجرد ديمقراطية للاختيار.
قد تكون أيضا ديمقراطية للحساب.
وهذا ليس تهديدا للسياسة، بل هو المعنى الحقيقي للديمقراطية.
فالصندوق لا ينتقم، ولا ينتصر، ولا يكره أحدا.
الصندوق يتذكر.
ومن يطلب ثقة المواطن، عليه أولا أن يكون مستعدا لمواجهة ذاكرته.