حين فقد الأستاذ هيبته… ماذا خسر المجتمع؟

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
فاعل جمعوي

لم يكن الأستاذ في الماضي مجرد موظف يؤدي مهمة محددة داخل القسم الدراسي، بل كان رمزا للعلم والتربية والقيم. كانت كلمته مسموعة، ومكانته محفوظة، واحترامه جزءًا من ثقافة المجتمع. وكان الآباء يوصون أبناءهم باحترام الأستاذ كما يحترمون الوالدين، لأن الجميع كان يدرك أن بناء الإنسان يبدأ من المدرسة.

اليوم، تغيرت أشياء كثيرة. لم يعد الأستاذ يحظى بنفس المكانة التي كان يحظى بها في السابق، ولم تعد هيبته كما كانت. وأصبحنا نسمع بين الفينة والأخرى عن اعتداءات لفظية أو جسدية تطال رجال ونساء التعليم، وعن حملات تنقيص من دورهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وعن نظرة مجتمعية بدأت تفقد شيئا من التقدير لهذه الرسالة النبيلة.

والحقيقة أن السؤال الذي يجب أن نطرحه ليس: ماذا خسر الأستاذ؟ بل ماذا خسر المجتمع عندما فقد الأستاذ جزءا من هيبته؟

لقد خسرنا أولا سلطة التربية. فالأستاذ لا يلقن الدروس فقط، بل يساهم في بناء الشخصية وغرس القيم وتوجيه السلوك. وحين يفقد هيبته داخل القسم، يصبح من الصعب عليه أداء هذا الدور التربوي على الوجه المطلوب. فالتعليم ليس نقلا للمعلومات فقط، بل علاقة قائمة على الاحترام والثقة والانضباط.

وخسرنا ثانيا صورة القدوة. فالأجيال الصاعدة تحتاج إلى نماذج إيجابية تستلهم منها قيم الاجتهاد والانضباط والعلم. وحين يصبح الأستاذ عرضة للسخرية أو التحقير أو التشكيك الدائم، فإن الرسالة التي تصل إلى الناشئة تكون خطيرة: لا مكانة للعلم ولا لأهله.

كما خسرنا جزءا من هيبة المدرسة نفسها. لأن احترام المؤسسة التعليمية يبدأ من احترام من يمثلها داخل الفصل. وحين تضعف مكانة الأستاذ، تضعف تلقائيا مكانة المدرسة، ويتراجع تأثيرها التربوي والاجتماعي.

لكن الإنصاف يقتضي القول إن المسؤولية ليست مسؤولية المجتمع وحده. فهناك تحولات اجتماعية وثقافية عميقة ساهمت في هذا الوضع. فثورة التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي غيرت طبيعة العلاقات داخل المجتمع، وأضعفت سلطة العديد من المؤسسات التقليدية، ومنها الأسرة والمدرسة. كما أن بعض السياسات التعليمية المتعاقبة لم تنجح دائما في توفير الظروف التي تمكن الأستاذ من أداء رسالته في أفضل الأحوال.

ومع ذلك، يبقى الأستاذ حجر الزاوية في أي مشروع إصلاحي. فلا يمكن الحديث عن مدرسة ناجحة دون أستاذ محترم، ولا عن تعليم ذي جودة دون إطار تربوي يشعر بالتقدير المعنوي والمادي. فالدول التي حققت نهضتها التعليمية لم تبدأ بالمناهج والتجهيزات فقط، بل بدأت برد الاعتبار للأستاذ باعتباره صانع الأجيال.

إن إعادة الاعتبار للأستاذ ليست مطلبا فئويا يخص رجال ونساء التعليم وحدهم، بل هي قضية مجتمعية تهم الجميع. لأنها ترتبط بمستقبل أبنائنا وبجودة المدرسة وبنوعية المواطن الذي نريد بناءه.

لقد أدركت الأمم المتقدمة أن الاستثمار الحقيقي ليس في الحجر فقط، بل في الإنسان. والإنسان لا يصنعه إلا تعليم جيد، وتعليم جيد لا يمكن أن يوجد دون أستاذ يتمتع بالاحترام والتقدير والهيبة المستحقة.

فحين فقد الأستاذ هيبته، لم يخسر وحده… بل خسر المجتمع جزءا من توازنه، وخسرت المدرسة جزءا من رسالتها، وخسر الوطن أحد أهم أعمدة بنائه.

ولعل أول خطوة نحو إصلاح التعليم ليست في تغيير المقررات أو البرامج، بل في إعادة الاعتبار لمن يقف كل صباح أمام السبورة ليصنع مستقبل الوطن بصمت.