حين يتحول نائب الأمة إلى ناطق باسم الحكومة: أي معنى للتمثيل البرلماني؟

0

بقلم: مصطفى صغيري
دكتور في القانون العام والعلوم السياسية

“البرلمان ليس مؤسسة لتزكية السلطة، بل فضاء لمساءلتها”
مونتيسكيو

لا تُقاس قيمة الفاعل السياسي بقدرته على إثارة الضجيج أو افتعال الجدل العابر، بل بمدى احترامه للمؤسسات التي تمنح للحياة العامة معناها واستقرارها، فالديمقراطيات الحديثة لا تقوم فقط على الانتخابات والأغلبيات العددية، وإنما تقوم، قبل كل شيء، على التوازن بين السلط، وعلى وجود مؤسسات تؤدي وظائفها باستقلالية ومسؤولية، وفي مقدمتها المؤسسة البرلمانية باعتبارها التعبير الأسمى عن الإرادة الشعبية.
وفي واحدة من أكثر العبارات السياسية كثافة ودلالة، أثار الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، خلال لقاء سياسي بمدينة صفرو، قضية أصبحت تؤرق جزءاً واسعاً من الرأي العام المغربي، حين اعتبر أن المغرب لم يعد يتوفر، في حالات كثيرة، على “نواب للأمة”، بل على “نواب للحكومة”، في توصيف يحمل في عمقه نقداً عميقاً لتحولات الممارسة البرلمانية ولطبيعة العلاقة التي أصبحت تربط جزءاً من المؤسسة التشريعية بالسلطة التنفيذية.
قد تبدو العبارة، للوهلة الأولى، مجرد توصيف سياسي عابر، لكنها في الحقيقة تفتح الباب أمام سؤال دستوري ومؤسساتي بالغ الأهمية:
هل ما يزال النائب البرلماني يمارس دوره باعتباره ممثلاً للأمة، أم أن جزءاً من الوظيفة التمثيلية أصبح خاضعاً، بشكل متزايد، لمنطق الاصطفاف الحكومي والتبرير الدائم للقرارات التنفيذية؟
إن الدستور المغربي، وخاصة الفصل 70 منه، واضح حين ينص على أن البرلمان يمارس السلطة التشريعية ويراقب عمل الحكومة ويقيم السياسات العمومية، وهي وظائف تجعل من المؤسسة التشريعية سلطة قائمة بذاتها، لا مجرد امتداد سياسي أو إعلامي للسلطة التنفيذية، غير أن الممارسة السياسية خلال السنوات الأخيرة أفرزت، في كثير من الأحيان، نوعاً من التداخل المقلق بين وظيفة النائب البرلماني ووظيفة المدافع غير المشروط عن الحكومة، حتى في القضايا التي يكون فيها المواطن في حاجة إلى صوت رقابي قوي يعكس انتظاراته الاجتماعية والاقتصادية.
لقد أصبح جزء من النقاش البرلماني، في بعض اللحظات، أقرب إلى منطق “تسويق القرار الحكومي” منه إلى منطق مساءلته أو تقييم أثره على المواطنين، وهنا يكمن جوهر الإشكال، لأن الديمقراطية التمثيلية لا تقوم فقط على وجود انتخابات، بل على وجود مؤسسات تؤدي أدوارها بشكل متوازن، وعلى رأسها البرلمان باعتباره فضاءً للتعبير عن صوت المجتمع لا عن صوت الحكومة وحدها.
إن خطورة هذه الظاهرة لا تكمن فقط في إضعاف الوظيفة الرقابية للبرلمان، بل كذلك في آثارها المباشرة على ثقة المواطنين في العمل السياسي، فحين يشعر المواطن أن النائب الذي صوت عليه أصبح يدافع عن الحكومة أكثر مما يدافع عن قضاياه اليومية، تتراجع صورة المؤسسة التمثيلية، ويترسخ الإحساس بأن البرلمان فقد جزءاً من استقلاليته السياسية والمعنوية.
والأخطر من ذلك، أن هذا التحول لا يرتبط فقط بسلوك أفراد أو مواقف ظرفية، بل يكشف، في العمق، أزمة أوسع تتعلق بطبيعة الممارسة الحزبية والبرلمانية نفسها، حيث أصبحت بعض الأحزاب تميل إلى اختزال دور المنتخب في الانضباط السياسي المطلق، بدل تشجيعه على ممارسة دوره الرقابي والترافعي داخل منطق الأغلبية ذاته، وهنا يتحول النائب، تدريجياً، من ممثل للأمة إلى مجرد حلقة ضمن منظومة تبرير سياسي مستمر للقرارات الحكومية.
ولا يتعلق الأمر هنا بالدعوة إلى القطيعة بين الأغلبية والحكومة، لأن منطق الأغلبية جزء من البناء الديمقراطي الطبيعي، وإنما يتعلق بضرورة الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقلالية السياسية والأخلاقية للنائب البرلماني، حتى لا يتحول البرلمان إلى مجرد فضاء للتصفيق السياسي أو التبرير المستمر للقرارات التنفيذية، فالفرق كبير بين نائب يدعم الحكومة انطلاقاً من قناعة سياسية وبرنامج واضح، وبين نائب يتخلى تدريجياً عن دوره الرقابي والتمثيلي ليتحول إلى ناطق سياسي باسم السلطة التنفيذية.
إن الديمقراطيات القوية لا تُقاس فقط بمدى قوة الحكومات، بل كذلك بمدى قوة البرلمانات واستقلالية النواب وقدرتهم على مساءلة السلطة التنفيذية، حتى عندما ينتمون إلى الأغلبية، ولذلك، فإن أكبر خدمة يمكن أن تقدمها الأغلبية للحكومة نفسها، ليست في تبرير كل شيء، بل في ممارسة نقد مسؤول يساعد على تصحيح الاختلالات قبل تفاقمها.
لقد كان البرلمان المغربي، في مراحل مفصلية من تاريخ البلاد، فضاءً حقيقياً للنقاش السياسي والفكري العميق، ومجالاً للترافع حول القضايا الوطنية والاجتماعية الكبرى، وأسهم في بناء تقاليد سياسية ودستورية مهمة، أما اليوم، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في إعادة الاعتبار للدور التمثيلي والرقابي للنائب البرلماني، حتى يستعيد المواطن ثقته في أن صوته داخل المؤسسة التشريعية ما يزال يعبر عنه، لا عن جهة أخرى.
لقد أصبح من الضروري اليوم التمييز بين النائب الذي يراكم الثقة، والنائب الذي يراكم الولاء السياسي فقط. فالأول يساهم في تقوية المؤسسات وتعزيز النقاش العمومي، بينما الثاني قد يحقق رضى ظرفياً داخل منطق الأغلبية، لكنه يساهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في إضعاف صورة البرلمان وفي تكريس فقدان الثقة في العمل السياسي.
إن وظيفة النائب ليست أن يكون موظفاً سياسياً لدى الحكومة، بل أن يكون صوتاً للأمة بكل تعقيداتها وانتظاراتها وتناقضاتها، لأن البرلمان الذي يتحول إلى صدى للسلطة التنفيذية، يفقد تدريجياً جوهر وجوده باعتباره مؤسسة للتوازن والرقابة والتعبير عن الإرادة الشعبية.
وفي النهاية، قد تنجح الحكومات في بناء أغلبيات عددية مريحة، لكن الديمقراطية الحقيقية لا تُبنى بالأرقام وحدها، بل بوجود مؤسسات قوية، وبرلمان يمتلك استقلالية صوته، ونواب يملكون الشجاعة السياسية والأخلاقية للدفاع عن المواطنين، حتى عندما يكون ذلك مكلفاً داخل منطق الأغلبية نفسه.
فحين تفقد السياسة لغتها المؤسساتية، لا تضعف هيبة البرلمان وحده، بل يبدأ التآكل البطيء لفكرة الدولة داخل وعي المجتمع.