حين يصبح الصمت في السياسة موقفا
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية
في السياسة، لا يكون الكلام دائما دليلا على الشجاعة، كما أن الصمت لا يكون دائما علامة على الضعف. فهناك صمت يصدر عن الحكمة، وصمت تفرضه المسؤولية، وصمت يحمي العلاقات من الانفعال وسوء الفهم، لكن هناك أيضا صمت آخر لا علاقة له بالحكمة، وإنما بالخوف من الخسارة أو انتظار المصلحة أو الرغبة في تجنب دفع ثمن الموقف. وبين النوعين مسافة أخلاقية كبيرة، لا يستطيع الإنسان أن يخفيها طويلا مهما أتقن إدارة صورته أمام الآخرين.
السياسة بطبيعتها تقوم على الاختلاف والتفاوض وتعدد المصالح، ولذلك ليس مطلوبا من السياسي أن يتحدث في كل قضية أو أن يحول كل اختلاف إلى معركة. بل إن القدرة على اختيار الوقت المناسب للكلام جزء من النضج السياسي. غير أن المشكلة تبدأ عندما يتحول الصمت من وسيلة للتدبير إلى وسيلة للهروب، ومن حكمة مؤقتة إلى موقف دائم كلما أصبح الكلام مكلفا.
فالسياسي الذي يستطيع أن يقول رأيه عندما تكون الظروف مريحة، ثم يختفي عندما يصبح الموقف أكثر تعقيدا، يطرح سؤالا حول طبيعة استقلاليته. لأن المواقف الحقيقية لا تختبر عندما يكون إعلانها سهلا، وإنما عندما يكون لها ثمن. وفي تلك اللحظة يصبح الصمت في حد ذاته رسالة، حتى وإن لم ينطق صاحبه بكلمة واحدة.
لكن الصمت لا ينبغي أن يفهم دائما باعتباره تخليا. فقد يكون الإنسان صامتا لأنه يرفض تحويل الخلاف إلى خصومة، أو لأنه يفضل الحوار المباشر على النقاش أمام الجمهور، أو لأنه يدرك أن بعض القضايا تحتاج إلى معالجة هادئة لا إلى مزيد من الضجيج. وهذا النوع من الصمت قد يكون أكثر مسؤولية من الكلام السريع الذي لا ينتج سوى مزيد من الانقسام.
لهذا، فإن السؤال ليس هل نصمت أم نتكلم، وإنما لماذا نصمت ومتى نتكلم. فالصمت الذي يحمي الحقيقة من التشويه يختلف عن الصمت الذي يحمي المصلحة الشخصية، والصمت الذي يمنح الحوار فرصة يختلف عن الصمت الذي يسمح للخطأ بأن يتحول إلى قاعدة.
وتزداد المسألة تعقيدا عندما تدخل الصداقة والعلاقات الإنسانية إلى المجال السياسي. فالإنسان قد يجد نفسه أمام معادلة دقيقة: كيف يكون وفيا لمن يثق به، دون أن يتحول الوفاء إلى تبعية؟ وكيف يحافظ على علاقة سياسية أو إنسانية، دون أن يفقد حقه في الاختلاف؟ وكيف يستطيع أن يقدم النصيحة لمن يقدره، دون أن تتحول النصيحة إلى مواجهة شخصية؟
الوفاء الحقيقي لا يعني أن نتفق دائما، كما أن الاختلاف الحقيقي لا يعني أن نقطع كل الجسور. العلاقات الناضجة هي التي تسمح بوجود مساحة للاختلاف من دون أن تتحول إلى خيانة، وتسمح بالنصيحة من دون أن تتحول إلى إهانة، وتسمح بالصمت عندما يكون الكلام مضرا، وبالكلام عندما يصبح الصمت مضرا أكثر.
وهنا تظهر قيمة الاستقلالية السياسية. فالاستقلالية لا تعني أن يعيش السياسي في عزلة عن الآخرين، ولا أن يرفض التحالفات والعلاقات، وإنما تعني أن يحتفظ بالقدرة على اتخاذ قراره دون أن يصبح أسيرا للخوف من خسارة موقع أو علاقة أو امتياز. فالإنسان المستقل يستطيع أن يكون قريبا من الآخرين دون أن يكون تابعا لهم، وأن يكون وفيا دون أن يتخلى عن عقله، وأن يختلف دون أن يتحول إلى خصم.
وفي المقابل، فإن أخطر ما يمكن أن يصيب الحياة السياسية هو أن يصبح الصمت ثمنا للعلاقة، وأن يصبح الكلام ثمنا للخصومة. عندها يفقد الحوار معناه، لأن الإنسان لا يعود يتحدث بناء على قناعته، وإنما بناء على موقعه من الأشخاص. فإذا كان قريبا تكلم بلغة مختلفة، وإذا أصبح بعيدا تغيرت لغته، وإذا ظهرت مصلحة جديدة تغير الموقف مرة أخرى. وهنا لا تعود السياسة مجالا لتدافع الأفكار، وإنما تتحول إلى إدارة متواصلة للمواقع.
إن السياسة تحتاج إلى أشخاص يستطيعون الحفاظ على ذاكرتهم، لا بمعنى التشبث بالماضي، وإنما بمعنى عدم إنكار العلاقات والمواقف لمجرد أن الظروف تغيرت. فالذين كانوا أصدقاء في لحظة نجاح لا ينبغي أن يتحولوا إلى أعداء بمجرد اختلاف المصالح، والذين اختلفوا بالأمس لا ينبغي أن يصبحوا خصوما إلى الأبد. السياسة تتغير، والمواقع تتغير، لكن الاحترام يجب أن يبقى.
ومن هنا، فإن الشجاعة السياسية ليست في رفع الصوت، ولا في كثرة التصريحات، ولا في صناعة المعارك، وإنما في امتلاك القدرة على اتخاذ موقف عندما يكون الموقف ضروريا، وعلى ضبط النفس عندما يكون الكلام غير مسؤول. الشجاعة أن تقول الحقيقة لمن يملك السلطة عليك، وأن تقبل الاختلاف ممن تجمعك به علاقة، وأن ترفض الإغراء عندما يكون ثمنه التخلي عن قناعة تؤمن بها.
وقد يكون أصعب امتحان للإنسان السياسي هو أن يجد نفسه أمام فرصة يستطيع أن يحصل من خلالها على مكسب شخصي، لكن مقابل التخلي عن موقف أو علاقة أو مبدأ. هنا لا يعود السؤال عن القدرة على الكلام، وإنما عن القدرة على المقاومة. فالمبادئ التي لا تصمد أمام أول إغراء ليست مبادئ راسخة، وإنما مواقف مؤقتة تنتظر الظروف المناسبة للتخلي عنها.
لذلك، فإن السياسة تحتاج إلى أخلاق الصداقة دون أن تتحول إلى سياسة الأصدقاء، وإلى الوفاء دون أن يتحول إلى ولاء أعمى، وإلى الاختلاف دون أن يتحول إلى خصومة، وإلى الصمت دون أن يتحول إلى جبن، وإلى الكلام دون أن يتحول إلى استعراض.
في النهاية، ليس المطلوب من الإنسان أن يتحدث دائما، ولا أن يدافع عن كل شيء، ولا أن يظل في الموقع نفسه مهما تغيرت قناعاته. المطلوب فقط أن يكون صادقا مع نفسه، واضحا في دوافعه، مستقلا في قراره، وفيا لما يؤمن به. فإذا اختار الصمت، فليكن صمته موقفا مسؤولا، وإذا اختار الكلام، فليكن كلامه نابعاً من قناعة لا من رغبة في الانتقام أو البحث عن مكسب.
في السياسة، ليس كل صامت ضعيفا، وليس كل متكلم شجاعا. الشجاعة الحقيقية أن تعرف متى تصمت حتى لا تظلم، ومتى تتكلم حتى لا تخون مبدأ تؤمن به.