حين يصبح العيش مرهقا: الضغط الصامت داخل المجتمع المغربي
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
طالب باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
فاعل جمعوي
لم يعد التعب الذي يعيشه كثير من المغاربة مرتبطا فقط بغلاء الأسعار أو صعوبة المعيشة، بل أصبح هناك نوع آخر من الإرهاق، أكثر هدوءا وأعمق أثرا: الإرهاق النفسي. ذلك الضغط الصامت الذي يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، ويجعل الناس يعيشون توترا دائما حتى وهم يحاولون إخفاءه خلف الابتسامات أو روتين الحياة العادي.
في السنوات الأخيرة، تغير إيقاع الحياة بشكل واضح. أصبح المواطن يفكر باستمرار في المصاريف، والعمل، والمستقبل، والالتزامات التي لا تنتهي. حتى أبسط الأمور اليومية صارت تحمل معها قدرا من القلق. لم يعد الإنسان يبحث فقط عن تحسين حياته، بل أصبح يحاول قبل كل شيء الحفاظ على توازنه النفسي وسط هذا الضغط المتراكم.
المشكلة أن هذا الإرهاق لا يظهر دائما بشكل واضح. فهو لا يقاس بالأرقام، ولا تتحدث عنه التقارير كثيرا، لكنه حاضر في تفاصيل كثيرة: العصبية الزائدة، فقدان الصبر، التوتر داخل العلاقات الاجتماعية، والإحساس المستمر بأن الراحة أصبحت مؤقتة ونادرة.
ولعل أخطر ما في هذا الوضع أن الناس بدأت تتأقلم مع الضغط بدل البحث عن معالجته. أصبح التعب النفسي جزءا من الحياة اليومية، حتى صار كثيرون يعتقدون أن القلق الدائم أمر طبيعي. بينما الحقيقة أن المجتمعات لا يمكن أن تستمر بشكل صحي إذا كانت تعيش تحت ضغط نفسي دائم.
ولا يمكن فصل هذا الواقع عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المواطن. فحين يجتمع الغلاء مع عدم اليقين، وضغط العمل مع الخوف من المستقبل، يصبح الإنسان في حالة استنزاف مستمرة. كما أن مواقع التواصل الاجتماعي زادت من هذا الشعور، عبر خلق مقارنة دائمة بين الواقع الحقيقي والحياة المثالية التي تعرض على الشاشات.
وفي المقابل، لا يتعلق الأمر فقط بالمال. فحتى بعض الفئات التي تشتغل وتؤمن حاجياتها الأساسية أصبحت تشعر بالإرهاق النفسي. لأن المشكلة أعمق من الجانب المادي، وترتبط أيضا بفقدان الإحساس بالاطمئنان والاستقرار الداخلي.
إن المجتمع لا يحتاج فقط إلى مؤشرات اقتصادية جيدة، بل يحتاج أيضا إلى مناخ يمنح الناس الأمل والراحة النفسية والثقة في المستقبل. فالإنسان يستطيع تحمل الصعوبات حين يشعر أن هناك أفقا واضحا، لكنه ينهار تدريجيًا حين يعيش داخل دوامة من القلق المستمر.
في النهاية، قد يكون أخطر ما نعيشه اليوم ليس الأزمة الاقتصادية وحدها، بل تحول الضغط النفسي إلى حالة جماعية صامتة. لأن المجتمعات المتعبة نفسيا تفقد تدريجيا قدرتها على الحلم، وعلى الإنتاج، وعلى الاستمرار بنفس الروح.
فهل أصبحنا نعيش فقط لنلحق بإيقاع الحياة؟ أم ما زال بالإمكان استعادة شيء من الطمأنينة وسط كل هذا الضغط؟