حين يصبح المنصب ملكا شخصيا: سياسيون يرفضون الرحيل رغم انتهاء زمنهم السياسي

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية

في السياسة، كما في الحياة، لكل مرحلة بدايتها ولكل مرحلة نهايتها، ولكل تجربة لحظة تبلغ فيها اقصى ما يمكن ان تقدمه. غير ان بعض السياسيين يتعاملون مع المسؤولية وكأنها ملكية شخصية، ومع المنصب وكأنه حق مكتسب لا يجوز التخلي عنه، حتى عندما تتراكم السنوات، وتتراجع المردودية، وتصبح الحصيلة عاجزة عن تقديم ما يبرر الاستمرار. وهنا لا تعود المشكلة في عمر السياسي، لان العمر ليس عيبا، والتجربة ليست تهمة، وانما في رفض الاعتراف بأن السياسة تحتاج، مثلها مثل كل مجالات الحياة، الى التجديد والتداول وفسح المجال امام طاقات جديدة.

ليس عيبا ان يستمر السياسي المخضرم في العطاء، بل ان الخبرة السياسية رصيد مهم لا يمكن الاستغناء عنه. وقد يكون السياسي الاكثر تجربة اكثر قدرة على فهم تعقيدات المؤسسات والتفاوض واتخاذ القرار من سياسي شاب لم تتح له بعد فرصة اكتساب الخبرة. لكن الفرق كبير بين ان تستمر في خدمة مشروع سياسي لانك ما زلت قادرا على العطاء، وبين ان تتمسك بالموقع لانك لم تعد ترى لنفسك مكانا خارج الكرسي.

المشكلة تبدأ عندما يتحول المنصب من وسيلة لخدمة الناس الى غاية في حد ذاته.

عندها يصبح الرحيل هزيمة، والتجديد تهديدا، وظهور الوجوه الجديدة خطرا ينبغي محاصرته، ويصبح كل نقاش حول تداول المسؤولية وكأنه مؤامرة على شخص بعينه. وهنا تفقد السياسة واحدا من اهم معانيها: انها مسؤولية مؤقتة وليست ملكية دائمة.

فالمنصب السياسي ليس ارثا، ولا معاشا مدى الحياة، ولا امتيازا شخصيا. انه تفويض مرتبط بمدة ومسؤولية وحصيلة. ومن حصل على ثقة المواطنين او المناضلين او الهيئات التي منحته موقع المسؤولية، عليه ان يدرك ان هذه الثقة ليست ابدية، وان استمرارها يجب ان يكون مرتبطا بالقدرة على تقديم الاضافة.

ولهذا فان السؤال الذي ينبغي ان يطرح بصراحة هو: ماذا قدم السياسي خلال سنوات وجوده في موقع المسؤولية؟ وهل ما زال قادرا على تقديم شيء جديد؟ وهل وجوده اليوم يضيف قيمة الى المؤسسة التي ينتمي اليها، ام انه اصبح عائقا امام صعود جيل جديد؟

هذه الاسئلة ليست اهانة لاحد، ولا تستهدف الاشخاص بسبب اعمارهم، وانما هي اسئلة طبيعية في اي نظام سياسي يريد ان يجدد نفسه.

فالديمقراطية لا تعني فقط ان نذهب الى صناديق الاقتراع كل بضع سنوات، وانما تعني ايضا ان نؤمن بتداول المسؤوليات، وان نقبل بأن من حق جيل جديد ان يجد طريقه الى مواقع القرار، وان نعترف بأن التجربة السياسية لا يمكن ان تختزل في اشخاص بعينهم مهما طال حضورهم.

والمفارقة ان بعض السياسيين يطالبون المواطن بمحاسبة المسؤولين عندما يفشلون، ويعتبرون تغيير المنتخبين امرا طبيعيا، لكنهم عندما يتعلق الامر بمواقعهم داخل الاحزاب او المؤسسات، يصبح الحديث عن التغيير فجأة نوعا من الجحود، ويصبح التمسك بالموقع دفاعا عن التاريخ والتجربة.

لكن التاريخ السياسي لا يمنح صاحبه شيكا على بياض.

والتجربة لا تعني ان صاحبها فوق التقييم.

والسنوات الطويلة في السياسة ليست في حد ذاتها انجازا، كما ان كثرة المناصب لا تعني بالضرورة كثرة النجاحات.

هناك سياسيون قضوا سنوات طويلة في مواقع المسؤولية وتركوا وراءهم تجارب تستحق التقدير، وهناك اخرون قضوا المدة نفسها دون ان يقدموا ما يبرر كل هذا التشبث بالموقع. ولهذا لا ينبغي ان يكون معيار الحكم هو عدد السنوات، بل ما الذي حدث خلالها.

فالسياسة في النهاية حصيلة.

والحصيلة هي التي تمنح الاستمرار معناه.

اذا كانت هناك انجازات، فليتم الدفاع عنها. واذا كانت هناك اخفاقات، فليتم الاعتراف بها. واذا كانت هناك مرحلة انتهت، فليكن الرحيل جزءا من شجاعة السياسي لا دليلا على فشله.

وهنا نصل الى مسألة كثيرا ما يتم تجاهلها: صناعة الخلف.

السياسي الحقيقي ليس هو الذي يظل في الواجهة الى ان يغلق الباب خلفه، بل هو الذي يترك وراءه جيلا قادرا على مواصلة المشروع. السياسي الكبير هو الذي لا يخاف من ظهور من هو افضل منه، بل يفرح عندما يرى من يمكن ان يحمل الراية بعده.

اما الذي يعتبر كل وجه جديد منافسا، وكل كفاءة صاعدة تهديدا، وكل دعوة الى التجديد مؤامرة، فهو لا يحمي المشروع الذي يدعي الدفاع عنه، بل يحمي موقعه الشخصي.

وهنا يكمن الفرق بين الوفاء للمشروع والوفاء للكرسي.

الوفاء للمشروع يعني ان تسأل: ما الذي يخدم المؤسسة؟

اما الوفاء للكرسي فيعني ان تسأل: كيف ابقى انا؟

والفرق بين السؤالين هو الفرق بين السياسة باعتبارها مسؤولية والسياسة باعتبارها امتيازا.

لقد تغير المجتمع المغربي، وتغيرت انتظارات المواطنين، وتغيرت طبيعة القضايا المطروحة، واصبح الشباب اكثر حضورا في النقاش العام واكثر رغبة في المشاركة. ومن غير المنطقي ان تبقى بعض البنى السياسية مغلقة امام هذه التحولات، وكأن الزمن السياسي يجب ان يتوقف عند جيل معين.

الشباب لا يريد فقط ان يسمع من السياسيين المخضرمين عن تاريخهم، بل يريد ان يجد فرصة لصناعة مستقبله السياسي بنفسه.

والاحزاب التي لا تفتح المجال امام الطاقات الجديدة تخاطر بفقدان قدرتها على التجدد.

والحزب الذي لا يصنع نخبا جديدة يتحول مع الوقت الى تنظيم يعيش على ذاكرته.

والتنظيم الذي يعيش على ذاكرته فقط يصبح عاجزا عن الاجابة عن اسئلة المستقبل.

من هنا فان تجديد النخب ليس ترفا، بل ضرورة سياسية.

ولا ينبغي ان يفهم التجديد باعتباره حربا على جيل سابق. بالعكس، التجديد الحقيقي يحتاج الى الخبرة بقدر ما يحتاج الى الطاقات الجديدة. لكن المطلوب هو ايجاد توازن صحي بين من راكم التجربة ومن يملك القدرة على بناء المستقبل.

فالسياسي المخضرم يمكن ان يكون مدرسة.

لكن المدرسة لا تكون مفيدة اذا رفضت تخريج تلاميذها.

والقائد الحقيقي لا يقاس فقط بعدد السنوات التي بقي فيها في المقدمة، بل بعدد الكفاءات التي ساهم في تكوينها وتمكينها.

ومن زاوية العلوم السياسية، فان تداول النخب عنصر اساسي في حيوية المؤسسات، لان الجمود الطويل قد يؤدي الى احتكار القرار واضعاف التنافس الداخلي وتراجع القدرة على الابتكار. وكلما ضاقت مساحات التداول، ضاقت معها فرص ظهور افكار جديدة وقيادات جديدة.

ومن زاوية القانون الدستوري، فان المسؤولية العمومية مرتبطة بفكرة التفويض والمدة والمساءلة، وليس بفكرة الحق الدائم في شغل الموقع. فالسلطة في الدولة الديمقراطية وظيفة وليست ملكا شخصيا، والتمثيل السياسي تكليف وليس امتيازا ابديا.

ولذلك فان من حق المواطن، ومن حق المناضلين داخل الاحزاب، ومن حق المؤسسات، ان يسألوا كل مسؤول: هل ما زلت قادرا على تقديم الاضافة؟

هذا السؤال يجب الا يكون محرما.

بل يجب ان يصبح جزءا من الثقافة السياسية.

فالذي ينجح يستحق التقدير.

والذي ينجح باستمرار يستحق التجديد.

والذي يفشل يجب ان يقبل بالمحاسبة.

والذي تنتهي مرحلته يجب ان يعرف كيف ينسحب باحترام.

فالرحيل في السياسة ليس دائما هزيمة.

في كثير من الاحيان يكون الرحيل انتصارا شخصيا وسياسيا، لان السياسي الذي يعرف متى يغادر يترك وراءه صورة افضل من السياسي الذي ينتظر حتى تفرض عليه المغادرة.

وهناك فرق كبير بين ان يغادر السياسي وهو في كامل احترامه، وبين ان يغادر بعد ان تتحول صورته الى عنوان للجمود والعجز عن التجديد.

لهذا فان السؤال ليس: كم يبلغ عمر السياسي؟

السؤال الحقيقي هو: ماذا قدم؟

والسؤال ليس: منذ متى وهو في موقع المسؤولية؟

بل: هل ما زال يملك ما يقدمه؟

والسؤال ليس: هل يستحق التقدير على ماضيه؟

بل: هل يسمح تقدير الماضي له باحتكار المستقبل؟

ان الماضي يستحق الاحترام، لكن المستقبل لا يمكن ان يرهن به.

والتجربة يجب ان تنقل الى الاجيال، لا ان تتحول الى جدار يمنعها من الوصول.

وهنا تقع مسؤولية الاحزاب السياسية بالدرجة الاولى. عليها ان تضع قواعد واضحة لتجديد النخب، وان تفتح المجال امام الكفاءات، وان تجعل المواقع التنظيمية والانتخابية مرتبطة بالقدرة والعطاء، لا فقط بطول سنوات الحضور.

كما ان على السياسيين ان يمتلكوا شجاعة المراجعة الذاتية.

ليس كل من تقدم في العمر يجب ان ينسحب، وليس كل من طال بقاؤه يجب ان يرحل. لكن كل من انتهت قدرته على الاضافة عليه ان يسأل نفسه بصدق: هل حان وقت افساح المجال؟

هذه الشجاعة هي التي تميز رجل الدولة عن السياسي الذي يبحث عن البقاء.

رجل الدولة يفكر في المؤسسة بعد رحيله.

اما السياسي الذي لا يرى المستقبل الا من خلال وجوده، فيفكر في نفسه قبل المؤسسة.

وهذا هو الفارق.

المغرب اليوم يحتاج الى نخب سياسية جديدة، لكنه يحتاج ايضا الى خبرات سياسية تحسن تسليم المشعل. يحتاج الى جيل جديد، لكن لا يحتاج الى قطيعة مع التجربة. يحتاج الى التجديد، لكن لا يحتاج الى انكار التاريخ.

المطلوب هو انتقال مسؤول من جيل الى جيل، ومن تجربة الى تجربة، ومن مرحلة الى مرحلة.

انتقال لا يقوم على الاقصاء، بل على التنافس.

ولا يقوم على التشهير، بل على التقييم.

ولا يقوم على تصفية الحسابات، بل على سؤال بسيط وواضح: من يستطيع ان يقدم الافضل؟

ففي النهاية، السياسة ليست سباقا للبقاء اطول مدة ممكنة في الكرسي.

السياسة مسؤولية، والمسؤولية لها زمن، والحصيلة لها حكم، والتاريخ له ذاكرة.

وقد يكون من اعظم الانتصارات السياسية ان يعرف المرء متى يقول: قدمت ما استطعت، وحان الوقت لكي اترك المجال لغيري.

لان السياسي الذي يصنع خلفه لا ينتهي بخروجه من المنصب، بل يستمر اثره من خلال من تركهم وراءه.

اما الذي لا يريد ان يرحل ابدا، فقد يكتشف متأخرا ان المشكلة لم تكن في ان الزمن تغير، بل في انه هو الذي رفض ان يتغير معه.

فالكرسي ليس وطنا، والمنصب ليس ارثا، والسياسة ليست معاشا ابديا. ومن لا يعرف متى يرحل، قد يضطر يوما الى الرحيل بعد ان يكون قد خسر اهم شيء: احترام الناس.