حين يفقد المواطن الثقة… تفقد المؤسسات قوتها
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
ليست كل الأزمات تقاس بالأرقام. فهناك أزمات تظهر في نسب البطالة والتضخم والعجز المالي، ويمكن رصدها عبر الإحصائيات والتقارير الرسمية. لكن هناك أزمة أخرى أكثر خطورة، لا تظهر بسهولة في الجداول والمؤشرات، وهي أزمة الثقة.
الثقة هي ذلك الخيط غير المرئي الذي يربط المواطن بمؤسساته، والناخب بمنتخبيه، والشباب بمستقبلهم، والمجتمع بالدولة. وعندما يكون هذا الخيط قويا، تستطيع الدول تجاوز أصعب الأزمات والتحديات. أما عندما يضعف، فإن كل الإنجازات تصبح مهددة بفقدان معناها وتأثيرها.
لقد أصبح من السهل ملاحظة أن جزءا من النقاش العمومي في المغرب لم يعد يدور فقط حول الأسعار أو البطالة أو الخدمات العمومية، بل حول شيء أعمق من ذلك: هل ما زال المواطن يثق في الوعود؟ هل ما زال يؤمن بأن صوته يمكن أن يحدث فرقا؟ وهل ما زال مقتنعا بأن الجهد والعمل والاجتهاد يمكن أن يفتحوا أبواب الأمل؟
هذه الأسئلة قد تبدو بسيطة، لكنها في الواقع تعكس واحدة من أهم القضايا التي تواجه المجتمعات الحديثة. فالثقة ليست ترفا سياسيا أو قيمة معنوية فقط، بل هي ركيزة أساسية للاستقرار والتنمية. وعندما يشعر المواطن بأن كلمته مسموعة، وأن المؤسسات تقوم بأدوارها، وأن الوعود تتحول إلى أفعال، فإنه يصبح أكثر استعدادا للمشاركة والانخراط وتحمل المسؤولية.
أما حين تتراكم الوعود غير المنجزة، وتتسع الفجوة بين الخطاب والواقع، فإن الشك يبدأ في التسلل إلى النفوس. ومع مرور الوقت يتحول هذا الشك إلى عزوف، ويتحول العزوف إلى لا مبالاة، وتصبح استعادة الثقة أكثر صعوبة من تحقيق الإنجازات نفسها.
إن أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي أمة ليس أن يغضب مواطنوها، بل أن يفقدوا الاهتمام بالشأن العام. فالمواطن الغاضب ما زال يؤمن بإمكانية التغيير، أما المواطن الذي فقد الثقة بالكامل فقد يختار الانسحاب من المشاركة، ويترك المجال للآخرين ليتخذوا القرارات نيابة عنه.
ولذلك فإن بناء الثقة لا يتم عبر الحملات التواصلية وحدها، ولا عبر كثرة التصريحات والوعود، بل عبر المصداقية والنتائج الملموسة. فالمواطن لا يطلب المستحيل، بل يريد أن يرى أثر السياسات العمومية في حياته اليومية، وأن يشعر بأن تضحياته وجهوده تقابلها فرص حقيقية للتحسن والتقدم.
كما أن الثقة مسؤولية مشتركة. فالمؤسسات مطالبة بالشفافية والفعالية وربط المسؤولية بالمحاسبة، كما أن النخب السياسية مطالبة بالصدق في الخطاب والواقعية في الوعود. لأن المبالغة في رفع سقف التوقعات قد تحقق مكاسب مؤقتة، لكنها قد تتحول لاحقا إلى مصدر خيبة أمل واسعة.
لقد أثبتت التجارب أن الدول القوية ليست فقط تلك التي تمتلك اقتصادًا قويا أو بنية تحتية متطورة، بل تلك التي تتمتع بثقة مواطنيها. فالثقة هي الوقود الحقيقي لأي مشروع تنموي، وهي الأساس الذي يجعل المجتمع متماسكا وقادرا على مواجهة الصعوبات.
واليوم، ونحن نناقش مختلف التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ربما حان الوقت للحديث عن هذه الأزمة الصامتة التي لا تظهر في الأرقام ولا تدرج في التقارير. أزمة الثقة التي قد تكون أصل كثير من الإشكالات التي نعيشها.
لأن المؤسسات تستمد قوتها من ثقة المواطنين فيها، وحين تتراجع هذه الثقة، تصبح القوانين أقل تأثيرا، والإصلاحات أكثر صعوبة، والمستقبل أكثر غموضا.
ولهذا تبقى الحقيقة البسيطة والعميقة: حين يفقد المواطن الثقة… تفقد المؤسسات قوتها.