دائرة سلا المدينة:معركة الأسماء والظلال في مواجهة استحقاقات حاسمة

0

في عمق الخريطة الانتخابية لشتنبر 2026، تبرز دائرة سلا المدينة كواحدة من أكثر الدوائر تعقيدا وإثارة للجدل، ليس فقط بسبب وزنها العددي أو تاريخها السياسي، بل لأن الانتخابات المقبلة فيها تحمل مؤشرات حاسمة لمستقبل المشهد السياسي برمته.تحليل سياسي مغربي

فالدائرة التي تتوزع على أربعة مقاعد فقط، أصبحت ساحة اختبار حقيقية لقدرة الأحزاب على تجاوز أزماتها الداخلية، واختبارا لمدى قدرة الوجوه التقليدية على الاستمرار في ظل وعي متزايد لدى الناخب السلاوي الذي لم يعد يكتفي بالوعود. في هذا السياق، انقسمت الأحزاب بين من حسم أوراقه مبكراً، ومن لا يزال يدير لعبة الترجيحات الداخلية في ظل غياب رؤية واضحة.

على صعيد حزب الأصالة والمعاصرة، يبدو المشهد أكثر تعقيدا من أي وقت مضى، فبترشيحه البرلماني عماد الريفي، وهو الاسم الذي لا يحظى بدعم قوي من أعضاء الحزب بمدينة سلا، ويكاد يكون وجهاً غير مؤشر في المدينة بالرغم من رئاسته لمقاطعة بطانة، يواجه الحزب أزمة ثقة داخلية قد تكلفه ثمناً كبيراً.

مصادر تؤكد أن صعود الريفي من عدمه بات رهينا بشكل شبه كامل بدعم رشيد العبدي له، وهو ما يحول الانتخابات في هذه الدائرة إلى اختبار لقوة العبدي ونفوذه أكثر مما هو اختبار لقوة المرشح نفسه، فالعبدي، الذي يمتلك شبكة علاقات معقدة في سلا، يبدو اليوم بمثابة المفتاح الذي يمكن أن يفتح أمام الريفي أبواب المجلس، أو يغلقها في وجهه نهائياً.

أما حزب العدالة والتنمية، فقد فاجأ الجميع بتوجهه نحو ترشيح كمال الكوشي، وذلك رغم أن أعضاء الحزب كانوا يراهنون بشكل كبير على زعيمهم التاريخي عبد الإله بنكيران، الذي يعتبر سلا أحد معاقله السياسية.تحليل سياسي مغربي

هذا القرار، الذي يعكس تحولات عميقة داخل البيت البيجيدي، يضع الكوشي أمام تحدٍ كبير، إذ سيكون مطالباً بالدفاع عن موقع الحزب في مدينة عرفت بولائها الأسطوري لبنكيران، دون أن يمتلك هو نفسه نفس الثقل الجماهيري أو الرمزية السياسية التي كان يتمتع بها الأمين العام السابق للحزب.

وفي الجهة المقابلة، يراهن حزب التجمع الوطني للأحرار على عمر الأزرق، الابن الذي ورث مقعد والده نور الدين الأزرق، بالرغم من أن المعطيات تشير إلى أن عمر لا حضور قوي له في مدينة سلا. الحزب الذي يعوّل على خبرة الأب وثقله السياسي لتمرير الابن، قد يفاجأ بأن الساكنة قد تتجه هذه المرة لمعاقبته انتخابياً، خاصة في ظل حالة الغضب التي تلمسها العديد من الأوساط السلاوية تجاه ما تعتبره استمراراً لسياسة “توريث المقاعد” التي بات الناخب السلاوي يرفضها بشكل متزايد.

حزب الاستقلال، من جهته، لا يزال يعاني من عسر انتخابي في هذه الدائرة، حيث لم يكتمل الحسم بعد من طرف قيادة الحزب بين الحديث عن ترشيح إدريس السنتيسي، وهو الاسم الذي يوصف بالمغضوب عليه من قيادة الحركة الشعبية، وبين التوجه لإسم استقلالي آخر. هذا التردد يعكس حالة الارتباك التي يعيشها حزب الميزان في العديد من الدوائر، إذ يبدو غير قادر على تقديم مرشح قادر على توحيد صفوفه في مواجهة مرشحي الأحزاب الأخرى.

أما حزب التقدم والاشتراكية فلم يحسم بعد في مرشحه، لكن المعطيات تشير إلى أن الاتجاه سيكون بين مجدولين الإدريسي، وهي شخصية توصف بالضعيفة سياسيا، وبين إعادة المنعش العقاري محمد عواد لمجلس النواب، بالرغم من ضعفه التشريعي وعدم قدرته على الترافع بقوة لصالح الساكنة خلال ولايته السابقة، هذا التردد يعكس حالة الضعف التي يعيشها الحزب في مدينة سلا، إذ يبدو عاجزاً عن تقديم مرشح قادر على إحداث الفارق أو خلق ديناميكية انتخابية حقيقية.

أما التحالف الأكثر حداثة، فيتمثل في فيدرالية اليسار الديمقراطي والاشتراكي الموحد، الذي لم يحسم بعد في مرشحه، لكن كل المؤشرات تتجه نحو الحسم لصالح منتصر الساخي، الأستاذ الجامعي المتخصص في الأنثروبولوجيا والحراكات الاجتماعية. الساخي، الذي يمثل خروجاً عن النخب السياسية التقليدية، قد يشكل مفاجأة في هذه الدائرة، إذ يستطيع أن يجذب أصوات الشباب والأكاديميين والناشطين المدنيين الذين يشعرون بالملل من الوجوه التقليدية التي تناوبت على تمثيل الدائرة دون تحقيق إنجازات ملموسة.تحليل سياسي مغربي

ويرى مراقبون، أن الانتخابات المقبلة في دائرة سلا المدينة لن تكون مجرد عملية فرز أصوات، بل ستكون اختباراً حقيقياً لقدرة الأحزاب على تجاوز خلافاتها الداخلية وتقديم مرشحين قادرين على لمس هموم الساكنة، كما ستكون رسالة واضحة من الناخب السلاوي الذي أثبت مراراً أنه لا يهادن في اختياراته، وأنه قادر على معاقبة من يخيب ظنه، مهما كان اسمه أو انتماؤه الحزبي.