سيادة غذائية أم تبعية صامتة؟ كيف وصلنا إلى هذا الوضع؟

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
طالب باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية

لم يعد الحديث عن الأمن الغذائي في المغرب ترفا فكريا أو نقاشا تقنيا محصورا في الدوائر المختصة، بل أصبح قضية يومية تمس بشكل مباشر حياة المواطنين. فالمائدة التي كانت تعكس، في لحظات كثيرة، استقرارا نسبيا، أضحت اليوم تعبيرا عن قلق متزايد، في ظل ارتفاع الأسعار وتذبذب توفر بعض المواد الأساسية.

الأمن الغذائي، في جوهره، لا يعني فقط توفر المواد، بل القدرة على ضمان استمراريتها، وجودتها، وأسعارها المعقولة. وهو ما يطرح اليوم تساؤلات جدية حول مدى قدرة السياسات الحالية على تحقيق هذا التوازن، خاصة في سياق دولي متقلب، يتسم بأزمات متلاحقة، من تغيرات مناخية إلى اضطرابات في سلاسل التوريد.

غير أن تحميل العوامل الخارجية كامل المسؤولية قد يكون تبسيطا مخلّا. فالوضع الحالي يكشف أيضا عن اختلالات داخلية، مرتبطة بطبيعة الاختيارات التي تم اعتمادها خلال السنوات الأخيرة. اختيارات ركزت، في كثير من الأحيان، على منطق الإنتاج والتصدير، دون أن تعطي نفس الأهمية لضمان تزويد السوق الوطنية بشكل مستقر ومتوازن.

في هذا السياق، يبرز النقاش حول السياسات الفلاحية، ومدى قدرتها على تحقيق السيادة الغذائية، لا فقط من حيث الكم، بل من حيث الأولويات. هل تم توجيه الموارد بالشكل الذي يخدم الأمن الغذائي الداخلي؟ وهل تم تحقيق التوازن بين متطلبات السوق الدولية وحاجيات المواطن المغربي؟

كما أن تدبير الموارد المائية، في ظل توالي سنوات الجفاف، يطرح بدوره تحديا كبيرا. فالأمن الغذائي مرتبط بشكل وثيق بالأمن المائي، وأي اختلال في هذا التوازن ينعكس مباشرة على الإنتاج، وبالتالي على الأسعار.

ولا يمكن إغفال دور التدبير الحكومي في هذا السياق. فالمواطن، وهو يواجه ارتفاع تكاليف المعيشة، ينتظر سياسات واضحة، قادرة على حماية قدرته الشرائية، وضمان استقرار السوق. غير أن الإحساس العام، لدى فئات واسعة، هو أن التدخلات لم تكن دائما في مستوى التحديات، سواء من حيث النجاعة أو التوقيت.

إن السيادة الغذائية ليست شعارا، بل خيار استراتيجي يتطلب رؤية شاملة، تنطلق من دعم الفلاح، وتثمين الإنتاج المحلي، وضبط آليات السوق، وصولا إلى حماية المستهلك. وهي مسؤولية مشتركة، لكن يقع على عاتق الدولة الدور الأكبر في تأطيرها وتوجيهها.

في النهاية، قد ننجح في إنتاج ما يكفي، لكن التحدي الحقيقي يظل في ضمان أن يصل هذا الإنتاج إلى المواطن بشكل عادل ومستقر. فالمائدة ليست مجرد استهلاك، بل مرآة لسياسات، واختيارات، وتوازنات.

فهل نعيد النظر في مقاربتنا للأمن الغذائي قبل أن يتحول إلى أزمة أعمق؟ أم سنواصل تدبيره بمنطق رد الفعل بدل الاستباق؟