عيد بلا فرحة… حين أصبح “حولي العيد” حلما بعيدا عن الأسر المغربية

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
فاعل جمعوي

كان عيد الأضحى في المغرب دائمًا أكثر من مناسبة دينية. كان طقسا اجتماعيا وإنسانيا يجمع الأسر حول الفرح والتضامن واللمة المغربية الأصيلة. حتى الأسر البسيطة، ورغم قساوة الظروف، كانت تحاول بكل ما تملك أن تحافظ على هذه الشعيرة التي تحمل في وجدان المغاربة معنى الكرامة والانتماء والفرحة الجماعية.

لكن ما يحدث اليوم داخل أسواق الأضاحي يكشف واقعًا صادما ومؤلما. أسعار “الحولي” بلغت مستويات غير مسبوقة، تجاوزت قدرة آلاف الأسر المغربية، وأصبح الحديث داخل البيوت ليس عن اختيار الأضحية، بل عن العجز عن شرائها أصلا. أسر كثيرة دخلت في حالة قلق حقيقي، وأخرى حسمت أمرها مبكرا: “ما عندناش القدرة”.

الأخطر من الغلاء نفسه، هو الفوضى التي رافقته داخل بعض الأسواق، كما وقع في مدينة فاس وغيرها، حيث تحولت بعض الفضاءات إلى حالة من التوتر والتدافع والتراشق بالحجارة، في مشاهد صادمة لا تليق ببلد يتحدث مسؤولوه يوميا عن الاستقرار والتنمية وتحسن المؤشرات.

ما وقع لم يكن مجرد فوضى عابرة، بل رسالة واضحة عن حجم الاحتقان الاجتماعي الذي بدأ يتسلل إلى الحياة اليومية للمواطنين. لأن الإنسان حين يشعر بالعجز أمام أبسط متطلبات الحياة، يتحول الضغط الاقتصادي تدريجيا إلى غضب اجتماعي صامت، قد ينفجر في أي لحظة.

والسؤال الذي يطرحه المغاربة اليوم بمرارة: أين هي كل تلك الأرقام الوردية التي تتحدث عنها الحكومة؟ أين أثر “النمو” و”تحسن المؤشرات” و”الدعم الاجتماعي”، إذا كانت أسرة مغربية عاجزة عن شراء أضحية العيد، وهي المناسبة التي كانت دائمًا رمزًا للفرح والتكافل؟

لقد أصبحت الفجوة كبيرة بين الخطاب الرسمي والواقع الحقيقي الذي يعيشه المواطن. فالحكومة تتحدث بلغة الأرقام، بينما المواطن يتحدث بلغة السوق والجيب والمصاريف. والمغاربة لا يقيسون نجاح الحكومات بالتقارير، بل بقدرتهم على العيش بكرامة، وحماية أسرهم من الإحساس بالحاجة والعجز.

ولا يمكن فصل هذا الوضع عن فشل واضح في تدبير عدد من الملفات المرتبطة بالأمن الغذائي والقطاع الفلاحي والقدرة الشرائية. فالمغاربة يسمعون عن “المخططات” و”الإصلاحات”، لكنهم يرون في المقابل أسعارا ملتهبة، ومضاربات، وغيابا للمراقبة، وتآكلا مستمرا للقدرة الشرائية.

والمؤلم أكثر، أن عيد الأضحى، الذي كان مناسبة للفرح، بدأ يتحول عند بعض الأسر إلى موسم للضغط النفسي والإحراج الاجتماعي، خاصة لدى الآباء الذين يجدون أنفسهم عاجزين أمام رغبة أبنائهم في الحفاظ على هذه الشعيرة.

إن الدولة القوية لا تقاس فقط بالمشاريع الكبرى والخطابات الرسمية، بل أيضا بقدرتها على حماية كرامة المواطن في تفاصيل حياته اليومية. لأن التنمية التي لا تمنع المواطن من السقوط في الإحساس بالعجز، تبقى تنمية ناقصة في نظر الناس.

وفي النهاية، ما يحدث اليوم داخل أسواق الأضاحي ليس مجرد أزمة موسمية، بل مؤشر اجتماعي خطير يكشف حجم الهوة بين المواطن والخطاب الحكومي. فحين يصبح “حولي العيد” حلمًا صعب المنال بالنسبة لآلاف الأسر، لا يمكن الحديث فقط عن ظرفية عابرة، بل عن أزمة ثقة حقيقية في السياسات والوعود والأرقام.

لأن المواطن لا يريد خطابات مطمئنة فقط… بل يريد أن يشعر أن كرامته ما زالت ممكنة داخل هذا الوطن.