في المغرب، الأحزاب تبحث عن الأعيان أكثر مما تبحث عن الأفكار… وهل أصبح المال هو الإيديولوجية الوحيدة القابلة للبيع؟
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري — طالب باحث في سلك الدكتوراه في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية
في البلدان التي لم تستكمل فيها الحياة السياسية شروط نضجها الديمقراطي، لا تحتاج بعض الأحزاب إلى إقناع المواطن ببرنامجها بقدر ما تحتاج إلى إقناع رجل أعمال بالترشح باسمها، أو استمالة عين انتخابي يمتلك شبكة من العلاقات والمصالح، أو استقطاب شخصية نافذة تستطيع أن تحمل معها إلى صناديق الاقتراع ما يكفي من الأصوات لضمان مقعد في البرلمان.
هناك، تصبح التزكية أشبه بصفقة، ويصبح المرشح القوي هو من يملك المال والنفوذ والقدرة على تحريك الناخبين، لا بالضرورة من يملك الفكرة أو الكفاءة أو المشروع. وتتحول الأحزاب، في بعض الحالات، من مدارس لتكوين النخب السياسية إلى وكالات انتخابية تتنافس على استقطاب أصحاب الثروة والجاه، وكأن السياسة سوق موسمية لا تفتح أبوابها إلا كلما اقترب موعد الانتخابات.
أما في الصورة المثالية للديمقراطيات الراسخة، فإن الحزب يتقدم إلى المواطنين بمرجعية فكرية واضحة، وبتصور محدد للاقتصاد والمجتمع والدولة. اليمين له تصوره للضرائب والاستثمار ودور الدولة، واليسار له تصوره للعدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة، والمحافظون لهم مرجعياتهم، والليبراليون لهم اختياراتهم، والجمهوريون والديمقراطيون في الولايات المتحدة يتنافسون، رغم اختلاف السياقات، حول برامج ومواقف وقواعد انتخابية يعرف الناخب من خلالها ما الذي يرجحه حين يضع ورقته في الصندوق.
لكن هل هذه الصورة مثالية أكثر مما ينبغي؟ بالتأكيد. فالمال حاضر حتى في أعرق الديمقراطيات، ورجال الأعمال وجماعات المصالح يمارسون نفوذهم في أكثر من نظام سياسي، كما أن الأحزاب ذات المرجعيات الفكرية قد تلجأ هي الأخرى إلى الحسابات الانتخابية والتحالفات البراغماتية. الفارق ليس أن المال موجود في بلد وغائب في آخر، وإنما في مدى قدرة المؤسسات والقوانين والناخبين على منع المال من التحول إلى بديل عن التنافس في البرامج والأفكار.
وهنا نصل إلى المغرب، حيث يصبح السؤال أكثر إزعاجا: هل اختارت الأحزاب أن تتقوى بالمال والأعيان لأنها لا تؤمن بقدرة الإيديولوجيا على جلب الأصوات، أم أنها ساهمت، عبر عقود من الممارسة، في إضعاف الإيمان بالسياسة نفسها، حتى صار المواطن لا يرى في الحزب سوى وسيط قد ينفعه في قضاء غرض أو الحصول على خدمة أو الوصول إلى مسؤول؟
هل الأحزاب ضحية السوق الانتخابية أم صانعتها؟
ليس من الإنصاف أن نضع جميع الأحزاب المغربية في سلة واحدة، أو أن ننكر وجود مناضلين ومثقفين ومنتخبين يحملون تصورات فكرية حقيقية ويدافعون عنها. كما أن المشهد الحزبي المغربي ليس خاليا من المرجعيات؛ فهناك أحزاب ذات جذور يسارية، وأخرى ذات مرجعية إسلامية، وأخرى ليبرالية أو محافظة، وأخرى تستند إلى تاريخ من النضال الوطني والنقابي.
لكن وجود المرجعية في الوثائق لا يعني بالضرورة أنها تتحكم في السلوك الانتخابي. فقد يحمل الحزب اسما وتاريخا وخطابا إيديولوجيا، ثم يجد نفسه في لحظة التزكيات يبحث عن المرشح الذي يستطيع الفوز، بصرف النظر عن مدى انسجامه مع أفكاره المعلنة. وقد يرفع الحزب شعار العدالة الاجتماعية، ثم يمنح الأولوية لمن يملك الإمكانات المالية والشبكات المحلية. وقد يتحدث عن تجديد النخب، ثم يعيد تدوير الأسماء نفسها لأنها تضمن له مقعدا انتخابيا.
المشكلة هنا ليست في أن يكون المرشح غنيا؛ فالثروة ليست عيبا، ورجل الأعمال يمكن أن يكون منتخبا جيدا. المشكلة تبدأ حين تصبح الثروة معيارا متقدما على الكفاءة والنزاهة والالتزام بالبرنامج، وحين تتحول التزكية من اختيار سياسي إلى رهان انتخابي على القدرة المالية والنفوذ الشخصي.
وقد تناولت دراسات أكاديمية عن الحياة الحزبية المغربية ظاهرة الأعيان والعلاقات الزبونية، وناقشت كيف يمكن للشبكات المحلية والشخصيات النافذة أن تؤثر في اختيار المرشحين وتعبئة الناخبين. لكن هذه الظاهرة لا تفسر وحدها كل السلوك الانتخابي، ولا تلغي وجود تنافس برامجي أو اقتناعات سياسية لدى قطاعات من المواطنين.
فهل نلوم الأحزاب وحدها؟ أم نلوم نظام الحوافز الانتخابية الذي يجعل بعض التنظيمات ترى في استقطاب عين معروف استثمارا مضمونا أكثر من الاستثمار في بناء قاعدة من المناضلين وإقناع المواطنين بمشروع سياسي؟
الجواب الأقرب إلى الواقع هو أن المسؤولية مشتركة، لكنها ليست متساوية بالضرورة. فالأحزاب ليست مجرد انعكاس سلبي للمجتمع؛ إنها مؤسسات يفترض أن تؤطره وتساهم في تغيير ثقافته السياسية. وإذا كانت تنتظر من المواطن أن يكون واعيا، فعليها أولا أن تمنحه ما يستحق أن يكون واعيا به: برنامجا واضحا، ومواقف مستقرة، ونخبا مؤهلة، وسلوكا سياسيا لا يتغير بتغير موقع الحزب من السلطة.
هل لا يجد الخطاب الإيديولوجي زبائن في المغرب؟
هنا تكمن الفرضية الأكثر قسوة في النقاش: ربما تعرف الأحزاب أن الحديث عن اليمين واليسار والعدالة الاجتماعية والليبرالية والمحافظة لن يجلب لها الأصوات الكافية، ولذلك تفضل الطريق الأقصر، أي استقطاب من يستطيع أن يحشد الناخبين بفضل المال أو العلاقات أو المكانة المحلية.
لكن من قال إن المغاربة لا يريدون الأفكار؟ ومن أين جاءت هذه الثقة بأن الناخب المغربي لن يتبع حزبا يقدم له إيديولوجيا صادقة وبرنامجا متماسكا؟
إن المواطن الذي يطالب بالتشغيل، ويشتكي من كلفة العلاج، ويخاف على مستقبل أبنائه، ويبحث عن تعليم جيد وسكن لائق، لا يعيش خارج السياسة. هذه كلها قضايا سياسية بامتياز، لأنها ترتبط بالاختيارات الاقتصادية والاجتماعية وبكيفية توزيع الموارد والفرص والمسؤوليات.
قد لا يستعمل المواطن لغة اليمين واليسار، وقد لا يهتم بالتعريفات النظرية للإيديولوجيا، لكنه يفهم الفرق بين حزب يريد توسيع الخدمات العمومية وحزب يفضل إعطاء مساحة أكبر للقطاع الخاص، وبين برنامج يضع إعادة توزيع الثروة في المقدمة وآخر يراهن على الاستثمار والنمو باعتبارهما المدخل الأساسي لتحسين الأوضاع. وهو قادر على تقييم الفرق بين خطاب يعده بما يريد سماعه، ومشروع يشرح له كيف يمكن تحقيق ما يعد به.
المواطن لا يحتاج إلى محاضرة في الفكر السياسي حتى تكون له مصلحة سياسية واضحة. إنه يحتاج إلى حزب يربط همومه اليومية باختيارات عامة، ويشرح له كلفة تلك الاختيارات ومنافعها، ويقبل أن يحاسبه عندما يفشل.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يطرحه قادة الأحزاب على أنفسهم ليس: هل يوجد في المغرب جمهور للإيديولوجيا؟ بل: هل قدمنا لهذا الجمهور إيديولوجيا قابلة للفهم، ومشروعاً قابلا للتصديق، وقيادات تستطيع أن تجسد ما تقول؟
الناخب ليس زبونا بالضرورة… لكنه قد يصبح كذلك
حين تتحول الانتخابات إلى موسم تتنافس فيه الشبكات الشخصية على استمالة الناخبين، فإن السياسة تخسر معناها التمثيلي. فالعلاقة الطبيعية بين الناخب والمنتخب تقوم على التفويض والمحاسبة: يمنح المواطن صوته لمن يعتقد أنه سيدافع عن مصالحه العامة، ثم يحاسبه على أدائه.
أما العلاقة الزبونية فتقوم على منطق مختلف: خدمة مقابل ولاء، أو منفعة آنية مقابل صوت، أو وعد شخصي مقابل دعم انتخابي. وفي هذه الحالة، لا يعود النقاش منصبا على سياسة التشغيل أو التعليم أو الصحة، بل على ما يستطيع المرشح تقديمه مباشرة إلى دائرة ضيقة من الناخبين.
وهذا لا يعني أن كل مواطن يصوت لمرشح معروف أو مستقل عن الإيديولوجيا يفعل ذلك مقابل منفعة، ولا أن كل استقطاب للأعيان دليل على شراء الأصوات. فاختيارات الناخبين متعددة، وقد يصوت المواطن لشخص يثق في كفاءته أو قربه من الناس أو سجله المحلي. لكن الخطر يظهر حين تصبح المصالح الشخصية والشبكات المالية أقوى من البرامج العامة، وحين يجد الحزب أن الاستثمار في العلاقات أقصر طريق إلى المقاعد.
والنتيجة أن البرلمان قد يمتلئ بأشخاص ناجحين في أعمالهم أو نافذين في محيطهم، من دون أن يكون ذلك كافيا لضمان جودة التشريع والرقابة. فالنجاح الاقتصادي لا يساوي تلقائيا الكفاءة السياسية، والقدرة على الفوز بمقعد لا تعني بالضرورة القدرة على إعداد قانون أو مراقبة ميزانية أو تقديم بديل حكومي متكامل.
ماذا لو ظهر حزب يراهن على الفكرة لا على المحفظة؟
لنتخيل حزبا مغربيا يعلن بوضوح مرجعيته الفكرية، ويقدم برنامجا اقتصاديا واجتماعيا متماسكا، ويختار مرشحيه بناء على الكفاءة والنزاهة والالتزام، لا على حجم الثروة أو شهرة الاسم. حزبا لا يغير لغته من دائرة إلى أخرى، ولا يبيع الوعود المتناقضة لجمهورين مختلفين، ولا يختبئ خلف عبارات فضفاضة كلما طُلب منه تحديد موقفه.
هل سيجد هذا الحزب جمهورا؟ لا يمكن لأحد أن يضمن النتيجة سلفا. فقد يواجه صعوبات في التمويل والتنظيم والانتشار، وقد يحتاج إلى سنوات لبناء الثقة، وقد لا تتوافق مرجعيته مع أولويات قطاعات واسعة من الناخبين. لكن لا يوجد ما يبرر الحكم مسبقا بأن المغاربة سيرفضون الأفكار، أو أن السوق الانتخابية لا تستوعب إلا المال والأعيان.
بل إن التجارب الديمقراطية في العالم تبين أن الحركات السياسية تستطيع أحيانا بناء قواعد شعبية من خلال خطاب واضح وشعور بالتمثيل، خصوصا عندما تنجح في التعبير عن مطالب لم تجد طريقها إلى الأحزاب التقليدية. غير أن نجاح أي تجربة من هذا النوع يرتبط بالسياق، والتنظيم، والقيادة، والتمويل، وقدرة الحزب على تحويل الخطاب إلى سياسات قابلة للتطبيق. ولا تكفي الإيديولوجيا وحدها لضمان النجاح، كما لا يكفي المال وحده لضمان الاستمرار.
أما إذا كان المقصود من الإشارة إلى تجربة «باريك» تجربة سياسية محددة، فإنها تحتاج إلى تسمية دقيقة حتى يمكن استخلاص الدروس منها دون الخلط بين تجارب مختلفة. فالعبرة ليست في التشابه الشكلي، وإنما في معرفة كيف بنت تلك التجربة ثقتها، وكيف نظمت مؤيديها، وكيف حولت الأفكار إلى حضور انتخابي.
من يغير من: الأحزاب أم الناخبون؟
قد تقول الأحزاب إن الناخب لا يهتم بالبرامج، وإن المرشح الذي يملك المال والنفوذ هو الأكثر قدرة على الفوز. وقد يقول الناخبون إن الأحزاب لا تستحق الثقة، وإن برامجها تتشابه وإن وعودها تنتهي غالبا مع انتهاء الحملة الانتخابية.
وهكذا يدخل الطرفان في دائرة مغلقة: الأحزاب لا تستثمر في الفكر لأنها تشك في الجمهور، والجمهور لا يثق في الأحزاب لأنها لا تستثمر بما يكفي في الفكر والبرامج. ثم تأتي الانتخابات لتعيد إنتاج المنطق نفسه، فيخرج الجميع ليعلنوا أن النتائج تؤكد صحة اختياراتهم السابقة.
لكن كسر هذه الدائرة لا يبدأ بانتظار ناخب مثالي، ولا بانتظار حزب مثالي. يبدأ بقواعد حزبية شفافة في اختيار المرشحين، وتمويل انتخابي خاضع للمراقبة، ومحاسبة فعلية على تضارب المصالح، وتكوين سياسي يشرح للمواطنين البدائل الحقيقية بين البرامج. ويبدأ أيضا بتغيير صورة المناضل داخل الحزب: من شخص ينتظر موقعا انتخابيا إلى شخص يساهم في بناء تصور، ويخوض النقاش، ويعمل بين الانتخابات كما يعمل خلالها.
وعلى الأحزاب أن تدرك أن بناء قاعدة من المواطنين المقتنعين قد يكون أبطأ من استقطاب الأعيان، لكنه أكثر قدرة على منحها هوية سياسية مستقرة. فالمرشح الذي يأتي بأصواته الخاصة قد يغادر الحزب غدا إلى حزب آخر، أما المواطن الذي يقتنع بمشروع واضح فقد يبقى وفيا له ما دام الحزب وفيا لمبادئه.
الاختبار الحقيقي ليس عدد المقاعد
ليست الإيديولوجيا ضمانة أخلاقية، وليست كل الأحزاب التي ترفع الشعارات الفكرية أفضل من غيرها. فقد تتحول المرجعية إلى واجهة، وقد يستخدم الحزب لغة اليسار أو اليمين لإخفاء ممارسات لا تنسجم معها. لذلك، لا ينبغي أن نستبدل عبادة المال بعبادة الشعارات.
المعيار الحقيقي هو التوافق بين الفكرة والممارسة: هل يختار الحزب مرشحيه وفق قواعد معلنة؟ هل يشرح مصادر تمويله؟ هل يعلن مواقفه من الضرائب والأجور والخدمات العمومية والاستثمار؟ هل يحترم وعوده عندما يصل إلى السلطة؟ وهل يستطيع المواطن أن يعرف ما الذي سيتغير في حياته إذا منح صوته لهذا الحزب بدلا من ذاك؟
إذا أجابت الأحزاب عن هذه الأسئلة بوضوح، فإنها تمنح الناخب فرصة الاختيار الواعي، وتمنح السياسة فرصة لاستعادة معناها. أما إذا ظلت البرامج وثائق موسمية، والتزكيات رهانات انتخابية، والإيديولوجيا مجرد ديكور في المؤتمرات، فلا ينبغي أن نستغرب حين يصبح المال أكثر إقناعا من الفكرة.
إن المغرب لا يحتاج إلى أحزاب تتحدث عن اليمين واليسار لمجرد تقليد الديمقراطيات الأخرى، ولا إلى أحزاب تتخلى عن المرجعيات بحجة أن المواطن لا يريدها. ما يحتاج إليه هو أحزاب صادقة في اختياراتها، واضحة في برامجها، مستقلة في قرارها، وقادرة على إقناع الناس بأن السياسة ليست سوقا لشراء الولاءات، بل مجالا للتنافس حول مستقبل البلاد.
فهل أصبحت الأحزاب المغربية تبحث عن الأعيان لأنها فقدت الثقة في وعي المواطنين، أم أن المواطنين فقدوا الثقة في الأحزاب لأنها لم تعد تمنحهم ما يستحق الإيمان به؟
ربما تكون الإجابة في المسافة التي تفصل بين الاثنين. لكن المؤكد أن حزباً لا يثق في قوة فكرته لن يستطيع أن يطلب من المواطنين الإيمان بها، وأن ناخبا لا يجد أمامه سوى المال والوعود الشخصية لن يكون مسؤولا وحده عن تراجع السياسة.
المطلوب ليس أن نلوم الأحزاب لأنها تريد الفوز، فالانتخابات وجدت أصلا للتنافس على ثقة المواطنين. المطلوب أن نسألها عن الثمن الذي تقبل دفعه من أجل الفوز، وعن المبادئ التي تستعد للتخلي عنها كي تصل إلى المقاعد.
حين تصبح التزكية أغلى من الفكرة، لا يعود السؤال من سيفوز في الانتخابات، بل أي سياسة ستبقى بعد أن ينتهي موسم شراء الولاءات.