مطرب الحي لا يطرب… لماذا لا نعرف قيمة من حولنا إلا بعد أن يرحلوا؟

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري — طالب باحث في سلك الدكتوراه في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية

هناك حقيقة إنسانية مؤلمة تختصرها مقولة شعبية عميقة: «مطرب الحي لا يطرب». وهي ليست مجرد عبارة متداولة لوصف ضعف تقدير القريب، بل تعبير عن خلل في نظرتنا إلى الأشخاص الذين يعيشون بيننا، ويشاركوننا تفاصيل الحياة والعمل والعلاقات اليومية. فكثيرا ما نمنح الغريب إعجابنا، ونمنح البعيد تقديرنا، ونحتفي بمن يأتي من خارج دوائرنا، بينما نبخل بالاعتراف بمن يقف إلى جانبنا، ويمنحنا من وقته وجهده ووفائه دون ضجيج.

إن المفارقة ليست في أننا لا نعرف قيمة هؤلاء الأشخاص، بل في أننا نعرفها أحيانا ونتصرف كما لو أننا لا نعرفها. نعتاد حضورهم إلى درجة اعتبار وجودهم أمرا مضمونا، ونستهلك عطاءهم دون أن نتوقف عند كلفته الإنسانية والمهنية، ونؤجل الاعتراف بفضلهم إلى أن يصبحوا خارج متناولنا. وعندها فقط نكتشف أن بعض الأشخاص لم يكونوا مجرد عابرين في حياتنا، بل كانوا قيمة مضافة لا يمكن تعويضها بسهولة.

أولا: لماذا نحتفي بالبعيد ونتجاهل القريب؟

من منظور علم الاجتماع، تتأثر أحكامنا على الآخرين أحيانا بعامل الاعتياد والألفة. فما يتكرر أمام أعيننا قد يفقد، في إدراكنا، جزءا من بريقه، ليس لأنه فقد قيمته، وإنما لأننا توقفنا عن ملاحظتها. وهكذا يتحول حضور الإنسان الوفي والكفء إلى تفصيل يومي، بينما يصبح الشخص القادم من الخارج موضوعا للإعجاب والاحتفاء.

إنها مفارقة تستحق التأمل: قد يقطع الإنسان المسافات بحثا عن الاعتراف والتقدير، بينما لا يجد من محيطه القريب كلمة إنصاف واحدة. وقد نكتشف كفاءة شخص عندما يثني عليه الآخرون، لا عندما نعاين جهده بأنفسنا. وكأن قيمة الإنسان تحتاج أحيانا إلى شهادة من الخارج حتى تصبح مقبولة في الداخل.

لكن السؤال الأكثر إيلاما هو: لماذا ننتظر أن يرحل الشخص حتى نعترف بما كان يقدمه؟ ولماذا يصبح غيابه مناسبة لاكتشاف فضائله، بينما لم يكن حضوره كافيا لمنحه التقدير المستحق؟

إن ثقافة الاعتراف لا ينبغي أن تكون رد فعل على الفقد، بل ممارسة يومية تحفظ للإنسان مكانته وهو حاضر، وتمنحه حقه في التقدير قبل أن يتحول إلى ذكرى.

ثانيا: الكفاءات التي لا نقدرها إلا بعد أن تغادر

لا تقتصر ظاهرة «مطرب الحي لا يطرب» على العلاقات الشخصية، بل تمتد إلى المؤسسات والإدارات والأحزاب ومختلف فضاءات العمل. ففي كثير من البيئات المهنية، قد لا تحظى الكفاءات بالتقدير الذي تستحقه، وقد يتم التعامل مع أصحاب الخبرة وروح المبادرة والالتزام باعتبارهم جزءا عاديا من المشهد، لا باعتبارهم رأسمالا بشريا ينبغي الاستثمار فيه والمحافظة عليه.

وهنا تظهر إشكالية مؤسساتية عميقة: كيف يمكن لمؤسسة أن تطالب بالنجاعة، بينما لا تنجح في الاعتراف بالكفاءات التي تصنع جزءا من هذه النجاعة؟ وكيف يمكن الحديث عن تجديد النخب، إذا كانت بعض البيئات لا تتيح المجال للكفاءة إلا عندما تفرض نفسها من خارج المؤسسة؟

إن الكفاءة ليست مجرد شهادة أو منصب، بل هي قدرة على التفكير والتحليل والمبادرة وحل المشكلات وتحمل المسؤولية. والوفاء المهني ليس مجرد تنفيذ للتعليمات، بل هو التزام بالقيم المشتركة، وإخلاص للعمل، وحرص على نجاح المؤسسة حتى في غياب الرقابة المباشرة.

لكن بعض المؤسسات تقع في خطأ استراتيجي عندما تخلط بين صمت الكفاءة وضعفها، وبين تواضع صاحب الخبرة وغياب طموحه، وبين الوفاء للمكان والقبول بالتهميش. ثم تفاجأ عندما يختار ذلك الشخص المغادرة، لتبدأ رحلة البحث عن بديل لا يملك بالضرورة التجربة نفسها ولا الرصيد نفسه من الثقة والمعرفة.

والأشد مفارقة أن المؤسسة التي لم تجد الوقت لتقدير كفاءتها وهي بين جدرانها، قد تجد الوقت والموارد للاحتفاء بها بعد انتقالها إلى مؤسسة أخرى. عندها لا يكون السؤال عن قيمة الشخص، بل عن عقلية التدبير التي لم تعرف كيف تحافظ عليه.

ثالثا: الوفاء ليس ضعفا… والكرامة ليست قابلة للتفاوض

من الأخطاء الشائعة اعتبار الإنسان الوفي شخصا يمكن الاعتماد على عطائه إلى ما لا نهاية، أو افتراض أن إخلاصه سيجعله يتجاوز كل أشكال التجاهل. والحقيقة أن الوفاء قيمة أخلاقية، لكنه لا يلغي حق الإنسان في التقدير والاحترام والإنصاف.

فالإنسان قد يصبر لأنه يقدر العشرة، وقد يتجاوز بعض الأخطاء حفاظا على علاقة إنسانية أو مهنية، وقد يواصل العطاء لأنه يؤمن بقيمة ما يقوم به. لكن ذلك لا يعني أنه بلا حدود، ولا يعني أن كرامته قابلة للتأجيل إلى أجل غير مسمى.

إن الوفاء لا ينبغي أن يتحول إلى رخصة تمنح للآخرين لممارسة التجاهل. ومن يعتقد أن الشخص المخلص سيظل دائما في مكانه، مهما غاب التقدير، يسيء فهم الطبيعة الإنسانية. فالصبر لا يعني الرضا، والصمت لا يعني عدم الشعور، والاستمرار في العطاء لا يعني أن صاحبه لا ينتظر الحد الأدنى من الاعتراف.

هناك أشخاص لا يغادرون لأنهم لم يعودوا أوفياء، بل لأنهم تعبوا من بذل الوفاء في بيئة لا تعترف به. ولا يبتعدون بالضرورة لأن محبتهم انتهت، بل لأنهم أدركوا أن البقاء في علاقة لا تحفظ كرامتهم أصبح استنزافا لا مبرر له.

رابعا: الحب بين الأصدقاء والإخوة… هل يعقل أن يكون الوفاء من طرف واحد؟

إذا كانت الكفاءة تحتاج إلى التقدير داخل المؤسسات، فإن الحب يحتاج إلى التبادل داخل العلاقات الإنسانية. وهنا ننتقل من فضاء العمل إلى فضاء أكثر حساسية: الصداقة والأخوة والعلاقات التي يفترض أن تقوم على المحبة والثقة والوفاء.

فما معنى الصداقة إذا كان طرف واحد وحده من يسأل، ويبادر، ويتفقد، ويحافظ على التواصل؟ وما معنى الأخوة إذا كان أحد الطرفين وحده من يتذكر المناسبات، ويحتفظ بالود، ويسارع إلى الإصلاح عند الخلاف؟ وهل يمكن لعلاقة أن تستمر في توازنها إذا أصبح الاهتمام فيها واجبا على شخص واحد، بينما يتحول الطرف الآخر إلى متلق دائم للعطاء؟

الحب الحقيقي لا يقاس بعدد الكلمات الجميلة، ولا بكثرة الصور المشتركة، ولا بالوعود التي تقال في لحظات الصفاء. إنه يظهر في التفاصيل الصغيرة: سؤال صادق في وقت الغياب، حضور عند الحاجة، احترام في لحظة الاختلاف، ووفاء لا يتغير بمجرد تغير الظروف أو المصالح.

والأخوة ليست مجرد رابطة نسب، كما أن الصداقة ليست مجرد معرفة طويلة. فالعلاقات الإنسانية تكتسب معناها من السلوك والمواقف، ومن القدرة على صيانة الود حين تختبره الحياة. قد تجمعنا صلة الدم، لكن الذي يحافظ على عمق الأخوة هو التقدير المتبادل. وقد تجمعنا سنوات من الصداقة، لكن الذي يمنحها الاستمرار هو أن يشعر كل طرف بأنه حاضر في وجدان الآخر، لا مجرد اسم في قائمة الاتصالات.

ليس المطلوب أن نحسب الحب بالأرقام، أو أن نحول الصداقة إلى دفتر للمحاسبة، بل أن ندرك أن العلاقة السليمة لا يمكن أن تقوم على التضحية الدائمة من جانب واحد. فالتبادل لا يعني أن يقدم الطرفان الشيء نفسه في كل لحظة، وإنما أن يشعر كل منهما بأن الآخر حريص على العلاقة، وأن الاهتمام ليس امتيازا لطرف وواجبا على الطرف الثاني.

خامسا: هل أصبحنا نقدر الإنسان بقدر ما يقدم لنا من منفعة؟

ثمة سؤال أكثر حدة ينبغي أن نطرحه على أنفسنا: هل نحب الأشخاص لقيمتهم الإنسانية، أم لما يقدمونه لنا من خدمات ومنافع؟

في بعض العلاقات، يظل الشخص موضع اهتمام ما دام قادرا على المساعدة، أو توفير الحلول، أو تقديم الدعم، أو فتح الأبواب. لكن بمجرد أن يحتاج هو إلى السؤال والاهتمام، يكتشف أن شبكة العلاقات التي اعتقد أنها متينة لم تكن بالصلابة التي تصورها.

وهنا تكمن إحدى مشكلات العلاقات النفعية؛ إذ يتم اختزال الإنسان في وظيفته داخل حياة الآخرين. يصبح مهما لأنه يساعد، ومطلوبا لأنه يحل المشكلات، ومقدرا لأنه يتنازل، لكن عندما يتوقف عن العطاء أو يطلب شيئا من الاهتمام، يتراجع حضوره فجأة.

وهذا المنطق لا يهدد العلاقات الشخصية فقط، بل يضعف النسيج الاجتماعي برمته. فالمجتمع الذي لا يتقن الاعتراف بالجميل، ولا يحفظ الود، ولا يقدر أصحاب العطاء، يتحول تدريجيا إلى فضاء تتقدم فيه المصلحة الآنية على الروابط الإنسانية، ويصبح فيه الإنسان مطالبا بإثبات فائدته باستمرار حتى يستحق مكانه.

إن القيمة الإنسانية لا تختزل في المنفعة، والوفاء لا ينبغي أن يكون ثمنا للحصول على الاهتمام، والمحبة لا يجوز أن تتحول إلى علاقة تبادلية باردة لا تتحرك إلا عندما تكون هناك مصلحة مباشرة.

سادسا: الاعتراف بالجميل ثقافة… وليس مجاملة عابرة

إن الاعتراف بقيمة الآخرين ليس ضعفا، ولا انتقاصا من مكانتنا، ولا تنازلا عن كبريائنا. بل هو تعبير عن نضج إنساني وثقافة اجتماعية تحترم الجهد وتحفظ الود.

نحتاج إلى أن نتعلم كيف نقول كلمة تقدير في وقتها، وكيف نعترف بكفاءة من يعمل معنا، وكيف نحافظ على الأصدقاء والإخوة دون أن ننتظر منهم دائما المبادرة، وكيف نعتذر عندما نخطئ، وكيف نميز بين الشخص الذي يطالب بالاهتمام والشخص الذي يطالب بحقه الطبيعي في الاحترام.

كما نحتاج إلى مراجعة تصورنا عن الوفاء. فالوفاء ليس أن يبقى الإنسان إلى جانبنا مهما فعلنا، بل أن نكون نحن أيضا جديرين ببقائه. وليس أن نطالب الآخرين بحفظ العشرة، بينما نتعامل مع مشاعرهم باعتبارها أمرا مضمونا. فالعلاقات لا تصان بالذاكرة وحدها، بل بالمواقف المتجددة.

وإذا كانت المؤسسات مطالبة بتقدير كفاءاتها قبل أن تخسرها، فإن الأفراد مطالبون بالاعتراف بفضل أصدقائهم وإخوتهم قبل أن تتحول المسافة إلى قطيعة، وقبل أن يصبح الاعتذار متأخرا عن إصلاح ما أفسده التجاهل.

خاتمة: لا تنتظروا الرحيل حتى تعرفوا قيمة الإنسان

إن «مطرب الحي لا يطرب» ليست مجرد حكمة شعبية، بل مرآة لسلوك إنساني ومؤسساتي يحتاج إلى مراجعة. إنها تذكرنا بأن الاعتياد قد يعمينا عن رؤية القيمة، وأن القرب لا ينبغي أن يتحول إلى سبب للتقليل من شأن الآخرين، وأن وجود الإنسان في حياتنا ليس ضمانة أبدية لبقائه.

قد يرحل صاحب الكفاءة إلى مكان يجد فيه الاعتراف الذي افتقده، وقد يبتعد الصديق بعدما تعب من المبادرة وحده، وقد تتحول الأخوة إلى مجرد صلة اسمية عندما يغيب عنها السؤال والاهتمام والوفاء المتبادل. وعندها لن يكون الندم دليلا على عمق المحبة بقدر ما سيكون اعترافا متأخرا بفشلنا في صيانة ما كان بين أيدينا.

لا تطلبوا من الأوفياء أن يثبتوا وفاءهم كل يوم، بينما لا تقدمون لهم الحد الأدنى من التقدير. ولا تطلبوا من الكفاءات أن تظل في أماكن لا ترى قيمتها. ولا تجعلوا الصداقة والأخوة امتحانا دائما لطرف واحد، ثم تتساءلوا لماذا تغيرت العلاقات.

فالحب الذي لا يتبادله الطرفان يتحول إلى استنزاف، والوفاء الذي لا يقابله تقدير يتحول إلى وجع، والكفاءة التي لا تجد الاعتراف تتحول إلى خسارة للمؤسسة التي أهملتها.

وأخيرا، تذكروا أن بعض الأشخاص لا نكتشف قيمتهم عندما يرحلون، بل نكتشف متأخرين أننا كنا نعرف قيمتهم، لكننا لم نتصرف يوما بما يليق بها. وهذه هي المأساة الحقيقية: أن يكون الإنسان بين أيدينا، وأن نملك فرصة تقديره، ثم لا نفعل شيئا حتى يصبح حضوره مجرد ذكرى.