من هيبة الدولة إلى ثقة المواطن: حين لا تكفي قوة المؤسسات لبناء الشرعية
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية
من اكثر المفارقات التي تستحق التأمل في الحياة السياسية المعاصرة ان تكون الدولة قوية بمؤسساتها، متماسكة في بنيتها، حاضرة في محيطها الاقليمي والدولي، وقادرة على اطلاق مشاريع كبرى وادارة ازمات معقدة، بينما يظل جزء من المواطنين يشعر بمسافة متزايدة بينه وبين المؤسسات التي يفترض انها تمثله وتخدمه وتحمي مصالحه. وهذه المفارقة ليست بالضرورة دليلا على ضعف الدولة، بل قد تكون مؤشرا على شيء اكثر تعقيدا: ان قوة الدولة في بعدها المؤسساتي لا تتحول اليا الى ثقة في المؤسسات لدى المواطن.
وهنا تحديدا يبدأ السؤال السياسي الحقيقي: هل تكفي هيبة الدولة لضمان استقرار العلاقة بينها وبين المجتمع، ام ان الاستقرار المستدام يحتاج ايضا الى رأسمال اخر لا يقل اهمية عن القوة المؤسساتية، وهو الثقة؟
لقد عرف المغرب خلال العقود الاخيرة تحولات عميقة في بناء مؤسساته وفي تطوير اطاره الدستوري والقانوني، وراكم تجربة مهمة في تدبير التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، كما عزز حضوره على المستوى الاقليمي والدولي. ولا يمكن انكار ان الدولة المغربية استطاعت الحفاظ على قدر كبير من الاستقرار المؤسساتي في محيط اقليمي شديد التقلب، وانها اطلقت اوراشا اصلاحية وتنموية واسعة.
لكن الدولة الحديثة لا تقاس فقط بقدرتها على اتخاذ القرار وتنفيذ السياسات، وانما ايضا بقدرتها على اقناع المواطن بان القرار المتخذ يخدم المصلحة العامة، وان المؤسسات تعمل وفق قواعد واضحة، وان المسؤول العمومي يخضع للمساءلة، وان المواطن يستطيع ان يجد طريقا مؤسساتيا عندما يشعر بالظلم او الاقصاء او عدم الانصاف.
وهنا يظهر الفرق بين هيبة الدولة وثقة المواطن.
هيبة الدولة ترتبط بقدرتها على فرض القانون وحماية النظام العام وضمان استمرارية المؤسسات. اما الثقة فتتاسس على شعور المواطن بان هذه المؤسسات عادلة، وانها تستمع اليه، وانها لا تميز بين المواطنين، وان المسؤولية لا تعني امتلاك السلطة فقط وانما تحمل نتائجها ايضا.
قد يخضع المواطن للقانون لانه ملزم بذلك، لكن هذا لا يعني بالضرورة انه يثق في المؤسسة التي تطبقه. وقد يحترم الدولة باعتبارها اطارا جامعا للوطن، لكنه قد ينتقد ادارة معينة او سياسة عمومية او مسؤولا بعينه. ولذلك فان الخلط بين احترام الدولة وبين الرضا عن اداء المؤسسات قد يؤدي الى قراءة خاطئة للمزاج الاجتماعي.
فالمواطن الذي ينتقد مؤسسة ليس بالضرورة معاديا للدولة، كما ان المطالبة بالاصلاح لا تعني رفض النظام المؤسساتي. بل ان النقد، عندما يمارس داخل الاطار القانوني والدستوري، يمكن ان يكون احدى علامات حيوية الدولة وليس دليلا على ضعفها.
الدولة الواثقة من مؤسساتها لا تخاف من النقد.
والمؤسسة القوية لا تحتاج الى اسكات الاسئلة حتى تثبت قوتها.
بل ان المؤسسة تصبح اقوى عندما تكون قادرة على الاستماع الى النقد، وفهم اسبابه، والتمييز بين النقد الذي يستهدف الاصلاح وبين الخطاب الذي يستهدف الفوضى او تقويض المؤسسات.
وهنا تكمن احدى اهم وظائف الدولة الحديثة: تحويل الاختلاف الى قوة مؤسساتية بدل تحويله الى ازمة سياسية.
ان المغرب، مثل كثير من المجتمعات التي تعرف تحولات سريعة، يعيش اليوم تغيرا عميقا في علاقة المواطن بالمؤسسات. المواطن لم يعد يتلقى المعلومة بالطريقة التقليدية، ولم يعد ينتظر ان تخبره المؤسسات بما يحدث. اصبح قادرا على المقارنة، والبحث، والتعليق، والنقد، والوصول الى تجارب دول ومجتمعات اخرى في ثوان معدودة.
وهذا التحول التكنولوجي والاجتماعي غير قواعد العلاقة بين الدولة والمجتمع.
لم تعد الدولة تملك وحدها القدرة على انتاج الرواية العمومية.
ولم يعد المواطن مجرد متلق للخطاب.
بل اصبح شريكا في انتاج النقاش العام، سواء ارادت المؤسسات ذلك ام لم ترده.
ومن هنا فان التواصل المؤسساتي لم يعد مسالة ثانوية او مجرد وظيفة اعلامية. لقد اصبح جزءا من الحكامة السياسية نفسها.
عندما تقع ازمة، لا يريد المواطن فقط ان يعرف القرار الذي اتخذته الدولة، وانما يريد ان يفهم لماذا اتخذ، وما هي خلفياته، وما هي نتائجه، ومن يتحمل مسؤوليته، ومتى ستتم مراجعة اثاره اذا تبين انها لم تحقق الهدف المطلوب.
وعندما تصدر الحكومة قرارا يمس الحياة اليومية للمواطن، فان نشر القرار في الجريدة الرسمية قد يكون كافيا من الناحية القانونية، لكنه ليس دائما كافيا من الناحية السياسية.
القانون يحتاج الى النشر لكي يصبح نافذا، لكن السياسة تحتاج الى التواصل لكي تصبح مفهومة.
وهنا تبرز اهمية الفرق بين المشروعية القانونية والشرعية السياسية.
فقد يكون القرار قانونيا ومستوفيا للاجراءات، لكن ذلك لا يمنع المواطن من التساؤل عن عدالته او نجاعته او اثره الاجتماعي. والمشروعية القانونية لا تلغي النقاش السياسي، بل تاطره.
ومن منظور القانون الدستوري، فان الدولة لا تستمد مشروعيتها فقط من وجود النصوص والمؤسسات، وانما من احترامها للمبادئ التي تقوم عليها الدولة الدستورية: سيادة القانون، وفصل السلط، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وحماية الحقوق والحريات، والمساواة امام القانون، وضمان المشاركة السياسية.
ولهذا فان عبارة ربط المسؤولية بالمحاسبة لا ينبغي ان تبقى مجرد مبدأ دستوري جميل في النصوص، وانما يجب ان تتحول الى ثقافة مؤسساتية يشعر المواطن باثارها.
فالمحاسبة ليست انتقاما من المسؤول.
وليست تصفية حساب سياسي.
وليست حملة اعلامية.
المحاسبة هي ان يعرف المواطن من اتخذ القرار، ولماذا اتخذه، وما النتائج التي ترتبت عنه، وماذا سيحدث اذا ثبت ان القرار كان خاطئا او ان المسؤول قصر في اداء واجبه.
هذه الثقافة هي التي تحول السلطة الى مسؤولية.
وهي التي تجعل المواطن يرى في المؤسسة شريكا في بناء الدولة، وليس مجرد جهاز اداري بعيد عنه.
لكن المشكلة لا تكمن دائما في المؤسسات ذاتها. احيانا تكمن في المسافة التي تفصل المؤسسة عن المواطن.
فقد تكون الادارة تقوم بعملها، ولكن المواطن لا يعرف كيف يصل اليها. وقد تكون هناك برامج اجتماعية مهمة، لكن المواطن لا يعرف شروط الاستفادة منها. وقد تكون هناك اليات قانونية للتظلم، لكنها لا تصل الى المواطن بالشكل الكافي. وقد تكون هناك مؤسسات دستورية مستقلة، لكنها لا تحضر في الوعي العام الا في مناسبات محدودة.
وهنا تصبح الوساطة السياسية والمجتمعية ضرورية.
فالاحزاب، والبرلمان، والنقابات، والمجتمع المدني، والاعلام، والجامعة، كلها مؤسسات وفضاءات يفترض ان تساعد على تقريب الدولة من المجتمع، وترجمة المطالب الاجتماعية الى مقترحات وسياسات، ونقل القرارات المؤسساتية الى المواطن بلغة مفهومة.
لكن عندما تضعف هذه الوسائط، تتسع المسافة.
وعندما تتسع المسافة، يبدأ المواطن في البحث عن تفسير للاحداث خارج المؤسسات.
وهنا يمكن ان تنتشر الاشاعة اسرع من المعلومة، والانطباع اسرع من الحقيقة، والتاويل اسرع من التوضيح.
وهذه ليست مشكلة اعلامية فقط.
انها مشكلة حكامة.
فالمعلومة الرسمية التي تصل متاخرة قد تترك فراغا تملؤه روايات اخرى. والصمت المؤسساتي في زمن الازمات لا يعني بالضرورة الحياد، بل قد يؤدي احيانا الى فقدان المبادرة في تشكيل النقاش العام.
لذلك فان الدولة الحديثة تحتاج الى استراتيجية تواصل لا تقوم على الدفاع الدائم عن نفسها، وانما تقوم على شرح قراراتها والاستماع الى ردود الفعل وتصحيح الاخطاء عندما تكون هناك ضرورة لذلك.
والاهم من ذلك ان المواطن لا يحتاج دائما الى مؤسسة تقول له انها نجحت.
انه يحتاج الى مؤسسة تستطيع ايضا ان تقول له: هنا اخطانا، وهنا لم نحقق ما وعدنا به، وهنا سنصحح المسار.
الاعتراف بالخطا لا يهدم هيبة الدولة.
على العكس، قد يكون احد اقوى مظاهر قوتها.
فالمؤسسة التي لا تعترف باي خطا تجعل المواطن امام صورتين: صورة رسمية مثالية، وواقع يومي قد يكون مختلفا. وكلما اتسعت المسافة بين الصورتين، ازدادت ازمة الثقة.
وهنا تحديدا ينبغي ان ننتبه الى ان الثقة ليست قرارا حكوميا يمكن اصداره في مرسوم، ولا حملة اعلامية يمكن اطلاقها في اسبوع.
الثقة تتراكم.
كما انها يمكن ان تنهار بسرعة.
تبنى الثقة عندما يرى المواطن ان القانون يطبق على الجميع، وان المسؤول لا يتمتع بحصانة سياسية او اجتماعية خارج ما يقره القانون، وان المؤسسات تستجيب للشكايات، وان الخدمات العمومية تتحسن، وان المال العام يخضع للرقابة، وان المسؤولية ترتبط فعلا بالمحاسبة.
وتضعف الثقة عندما يشعر المواطن ان هناك فجوة بين الخطاب والممارسة، وبين الوعد والنتيجة، وبين القانون وتطبيقه.
ومن هنا فان اصلاح الثقة لا يبدأ دائما بتعديل الدستور او تغيير القوانين.
احيانا يبدأ من الادارة.
من شباك صغير.
من موظف يحترم المواطن.
من جواب يصل في وقته.
من مسؤول يخرج ليشرح قرارا صعبا.
من مؤسسة تعترف بخطا وتصوبه.
ومن حكومة لا تنتظر حتى تتحول المشكلة الى ازمة لكي تبدا في التواصل.
هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع احيانا الصورة الكبرى للدولة في ذهن المواطن.
فالدولة بالنسبة الى المواطن ليست فقط القصر والبرلمان والحكومة والمؤسسات الدستورية.
الدولة هي ايضا المدرسة التي يدرس فيها ابنه، والمستشفى الذي يعالج فيه، والمحكمة التي يبحث فيها عن حقه، والادارة التي يقصدها لقضاء مصلحة، والشرطة التي يلجا اليها عند الحاجة، والجماعة التي يفترض ان تدبر شؤونه المحلية.
ومن هنا فان الدولة التي يلتقي بها المواطن يوميا هي الدولة التي يحكم على اساسها ذاكرته السياسية.
وهذا هو السبب الذي يجعل اصلاح الادارة والخدمات العمومية جزءا من بناء الشرعية، وليس مجرد ملف تقني.
كما ان قوة الدولة المغربية في بعدها الاستراتيجي والدبلوماسي لا ينبغي ان تحجب عنا اهمية بناء الثقة في بعدها الداخلي. فالدولة التي تستطيع ان تكون فاعلا محترما في محيطها الدولي تحتاج في الوقت نفسه الى مجتمع يشعر بان مؤسساته عادلة وفعالة.
القوة الخارجية لا تعوض الثقة الداخلية.
كما ان الاستقرار لا يعني غياب الاسئلة.
بل ان الاستقرار الحقيقي هو القدرة على ادارة الاسئلة والخلافات داخل المؤسسات.
وهنا يظهر الفرق بين الاستقرار القائم على الصمت، والاستقرار القائم على الثقة.
الاول قد يبدو هادئا، لكنه هش.
اما الثاني فهو اكثر قدرة على الصمود، لانه يقوم على اقتناع المواطن بان المؤسسات قادرة على الاستماع والتصحيح والاستجابة.
ولذلك فان المرحلة المقبلة تحتاج، في تقديري، الى الانتقال من مفهوم هيبة الدولة بمعناه التقليدي الى مفهوم اكثر حداثة واتساعا هو ثقة المواطن في الدولة.
ليس المطلوب ان تتخلى الدولة عن هيبتها، وانما ان تجعل هذه الهيبة مرتبطة بسيادة القانون، وعدالة المؤسسات، وجودة الخدمات، ووضوح المسؤولية، وفعالية المحاسبة.
فهيبة الدولة الحقيقية لا تنبع من خوف المواطن من المؤسسة، وانما من احترامه لها.
والاحترام لا يفرض.
انه يكتسب.
يكتسب عندما يشعر المواطن بان الدولة موجودة عندما يحتاج اليها، وان القانون يحميه كما يلزمه، وان المؤسسة تسمعه كما تطلب منه احترامها، وان المسؤولية ليست امتيازا وانما تكليفا.
وهنا يصبح السؤال اكثر عمقا من مجرد سؤال عن قوة المؤسسات:
اي دولة نريد ان يرى المواطن نفسه جزءا منها؟
نريد دولة قوية، بالتأكيد.
لكننا نريد ايضا دولة عادلة.
نريد مؤسسات فعالة، ولكننا نريدها كذلك قريبة من المواطن.
نريد قوانين واضحة، ولكننا نريد ايضا ان يشعر المواطن بان القانون يحميه.
نريد الاستقرار، ولكننا نريد استقرارا قائما على الثقة لا على الخوف.
وفي النهاية، فان مستقبل العلاقة بين الدولة والمجتمع لن تحدده فقط قوة المؤسسات، ولا عدد القوانين، ولا حجم المشاريع، وانما سيحدده شيء اكثر بساطة واعمق اثرا:
هل يثق المواطن في ان المؤسسة التي تقف امامه تعمل من اجله، وتسمعه، وتحاسبه كما تحاسب نفسها؟
فالدولة القوية هي التي يهابها الخارج عندما يتعلق الامر بسيادتها، ويحترمها المواطن عندما يتعلق الامر بحقوقه.
والمؤسسة القوية ليست التي لا تخطئ، وانما التي تستطيع ان تصحح خطاها دون ان تعتبر التصحيح هزيمة.
اما الشرعية الحقيقية، فلا تبنى فقط بالنصوص.
انها تبنى كل يوم، في المسافة الصغيرة بين المواطن والمؤسسة.
وكلما ضاقت هذه المسافة، اتسعت الثقة.
وكلما اتسعت الثقة، اصبحت الدولة اقوى.
لان اقوى دولة في النهاية ليست تلك التي يكتفي المواطن بالخضوع لقوانينها، وانما تلك التي يشعر، في اعماقه، بانه شريك في وطنها، وواثق في مؤسساتها، ومطمئن الى مستقبلها.