من دولة الأشخاص إلى دولة المؤسسات: متى ينتهي زمن احتكار المسؤولية؟

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية

ليست أخطر مشكلة تواجه الحياة السياسية هي اختلاف السياسيين، ولا حتى الصراع بينهم حول البرامج والمواقع، فالتنافس جزء طبيعي من الديمقراطية. المشكلة تبدأ عندما يتحول الموقع السياسي من مسؤولية مؤقتة إلى امتياز دائم، وعندما يصبح حضور الشخص أقوى من حضور المؤسسة، وعندما تتحول الخبرة من رصيد جماعي يفترض أن ينتقل إلى الأجيال الجديدة إلى وسيلة لاحتكار القرار وإغلاق الأبواب أمام الكفاءات الصاعدة.

هنا بالضبط يصبح الحديث عن دولة المؤسسات أكثر من مجرد مفهوم دستوري أو شعار سياسي. فدولة المؤسسات تعني أن المسؤولية ليست ملكا لأحد، وأن المناصب لا تورث، وأن الكفاءة ليست امتيازا تمنحه العلاقات، وأن التداول على المسؤوليات ليس تهديدا للمؤسسة، بل أحد شروط قوتها واستمرارها.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم بوضوح هو: هل نريد مؤسسات قوية، أم نريد أشخاصا أقوياء داخل المؤسسات؟

السؤال يبدو بسيطا، لكنه يكشف فارقا عميقا في طبيعة الثقافة السياسية. ففي الحالة الأولى، يكون المسؤول في خدمة المؤسسة، ويعرف أن موقعه مؤقت وأن مهمته تنتهي عندما تنتهي الثقة أو عندما تقتضي قواعد التداول ذلك. أما في الحالة الثانية، فإن المؤسسة تبدأ تدريجيا في اكتساب ملامح الشخص الذي يقودها، ويصبح تغيير المسؤول وكأنه تهديد للاستقرار، بينما يفترض في الحقيقة أن يكون تغيير المسؤول دليلا على حيوية المؤسسة وقدرتها على إنتاج البدائل.

الديمقراطية لا تقوم على بقاء الأشخاص، وإنما على قابلية المسؤوليات للتداول. وهذا لا يعني أن كل تجربة طويلة هي تجربة فاشلة، ولا أن كل وجه جديد هو بالضرورة أفضل من سابقه. فالخبرة قيمة سياسية وإدارية لا يمكن الاستغناء عنها، لكن الخطأ يبدأ عندما تتحول الخبرة إلى حجة لإقصاء الآخرين، أو عندما يصبح الماضي مبررا دائما للاستمرار في المستقبل.

لقد أصبحت مسألة تجديد النخب السياسية في المغرب موضوعا حاضرا بقوة في النقاش العمومي، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، حيث تتجدد الأسئلة حول قدرة الأحزاب على فتح المجال أمام كفاءات جديدة، وحول الفرق بين التجديد الحقيقي وبين مجرد إعادة تقديم الوجوه نفسها في مواقع مختلفة.
والتجديد الحقيقي لا يعني أن نستبدل شخصا بآخر فقط. التجديد هو أن تتغير طريقة التفكير، وأن تتوسع دائرة المشاركة، وأن تصبح الكفاءة معيارا للصعود السياسي، وأن تفتح المؤسسات أبوابها أمام من يملكون المعرفة والقدرة والرؤية، لا فقط أمام من راكموا سنوات طويلة من الحضور التنظيمي.

فالمجتمع المغربي تغير كثيرا. مستوى التعليم ارتفع، والفضاء الرقمي غير علاقة المواطن بالمعلومة، والأجيال الجديدة أصبحت أكثر قدرة على مقارنة التجارب السياسية، وأقل استعدادا لقبول الخطاب السياسي التقليدي دون مساءلة. وبالتالي، فإن استمرار المؤسسات بنفس الأدوات والعقليات التي كانت صالحة في مراحل سابقة قد يجعلها عاجزة عن مخاطبة مجتمع جديد.

وهنا تظهر مسؤولية الأحزاب السياسية بصورة خاصة. فالحزب ليس مجرد آلة انتخابية، وليس فقط وسيلة للحصول على المقاعد. الحزب مؤسسة لتكوين النخب، وإنتاج الأفكار، وتأطير المواطنين، وصناعة البدائل. ولذلك فإن الحزب الذي لا يملك آليات حقيقية لاكتشاف الكفاءات وتكوينها وتمكينها من تحمل المسؤولية، يواجه مع الوقت مشكلة تتجاوز تنظيمه الداخلي لتصل إلى جودة التمثيل السياسي نفسه.

وقد جعل المشرع تنظيم الأحزاب وفق مبادئ ديمقراطية وحكامة جيدة ومسؤولية ومحاسبة جزءا من الإطار القانوني للعمل الحزبي، ما يعني أن الديمقراطية الداخلية ليست مجرد قيمة أخلاقية، وإنما هي أيضا جزء من منطق المؤسسة الحزبية الحديثة.

لكن النصوص وحدها لا تصنع التجديد. يمكن أن تكون لدينا قوانين حديثة، وأنظمة داخلية دقيقة، ومؤتمرات منتظمة، ومع ذلك تبقى الثقافة السياسية نفسها قائمة على إعادة إنتاج النفوذ. ولذلك فإن التحدي الحقيقي ليس فقط في وجود قواعد للتداول، وإنما في وجود إرادة سياسية لاحترامها.

وهنا يجب أن نكون أكثر وضوحا: لا يمكن أن نتحدث عن تجديد النخب بينما نخاف من الكفاءات الجديدة.

الكفاءة الجديدة ليست تهديدا للقيادة القائمة. والشاب المؤهل ليس منافسا يجب تحييده، والباحث الذي يملك رؤية مستقلة ليس شخصا يجب إخضاعه، والفاعل السياسي الذي يريد أن يصعد بفضل علمه وتجربته وقدرته على الإقناع لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مصدر إزعاج.

المؤسسة الواثقة من نفسها لا تخاف من الكفاءات، بل تبحث عنها.

والمسؤول الذي يؤمن بأن السياسة مسؤولية لا يخشى أن يظهر بعده جيل أكثر قدرة منه، لأن نجاحه الحقيقي لا يقاس بعدد السنوات التي بقي فيها في الموقع، وإنما بعدد الكفاءات التي ساهم في تكوينها وتمكينها من تحمل المسؤولية.

أما حين يصبح معيار الصعود السياسي هو الولاء الشخصي، أو القرب من دوائر النفوذ، أو القدرة على المناورة، فإن المؤسسة تبدأ في فقدان أهم عناصر قوتها: الاستحقاق.

وهنا تحديدا تصبح شخصنة السياسة خطرا على الدولة نفسها. لأن الشخصنة لا تخلق فقط مشكلات داخل الأحزاب، بل تنتج أيضا مؤسسات هشة تعتمد على الأفراد بدل القواعد، وعلى العلاقات بدل المساطر، وعلى الولاءات بدل الكفاءة.

والدولة الحديثة لا يمكن أن تدار بهذه الطريقة.

المؤسسات تحتاج إلى الذاكرة، لكنها تحتاج أيضا إلى التجديد. تحتاج إلى الخبرة، لكنها تحتاج كذلك إلى الجرأة. تحتاج إلى الاستمرارية، لكنها تحتاج إلى التداول. وهذه ليست تناقضات، وإنما هي معادلة التوازن التي تجعل المؤسسة قادرة على البقاء دون أن تتحول إلى فضاء مغلق.

ومن هنا ينبغي إعادة تعريف مفهوم الاستمرارية. الاستمرارية ليست أن يبقى الشخص نفسه في الموقع نفسه لأطول فترة ممكنة. الاستمرارية هي أن تبقى المؤسسة قادرة على العمل بكفاءة مهما تغير الأشخاص.

وهذه هي اللحظة التي يصبح فيها مغادرة المسؤول للموقع نجاحا وليس هزيمة.

المسؤول الذي يغادر ويترك وراءه مؤسسة أقوى، وفريقا أكثر كفاءة، وقواعد أوضح، وتجربة قابلة للتراكم، يكون قد نجح في مهمته أكثر من مسؤول بقي سنوات طويلة لكنه جعل المؤسسة مرتبطة به إلى درجة أنها فقدت القدرة على إنتاج بديل.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مؤسسة سياسية هو أن يصبح السؤال: من سيأتي بعده؟ وكأن المؤسسة لا تملك إلا اسما واحدا قادرا على قيادتها. المؤسسة القوية لا تسأل من سيأتي بعد الشخص، لأنها تعرف أن لديها دائما أكثر من بديل.

وهنا يكمن جوهر تداول النخب.

إن التداول ليس عقوبة للجيل السابق، وليس انتقاصا من قيمة التجارب السابقة، وإنما هو اعتراف بأن المجتمع أكبر من جيل واحد، وأن السياسة تحتاج دائما إلى دماء جديدة وأفكار جديدة وأسئلة جديدة.

والذين يرفضون التداول بحجة الخبرة ينسون أن الخبرة يمكن أن تنتقل. أما الموقع فلا ينبغي أن يتحول إلى ملكية شخصية.

فالخبرة حق للمؤسسة، وليست ملكا لصاحبها.

وهذه الفكرة وحدها كافية لإعادة ترتيب الكثير من المفاهيم في حياتنا السياسية. السياسي الذي راكم تجربة طويلة يستطيع أن يقدمها للأجيال الجديدة، وأن يتحول من صاحب موقع إلى صاحب مدرسة. والحزب الذي راكم خبرات يمكنه أن يجعل منها رأسمالا تنظيميا وفكريا، لا شبكة نفوذ مغلقة. والمؤسسة التي تحترم تاريخها تستطيع أن تكرم من خدموها دون أن تجعل تاريخهم عائقا أمام المستقبل.

إن المغرب اليوم لا يحتاج فقط إلى تغيير الوجوه، وإنما يحتاج إلى تغيير قواعد إنتاج النخب. يحتاج إلى أن تصبح المعرفة والكفاءة والنزاهة والقدرة على صناعة الحلول عناصر حقيقية في الصعود السياسي، لا مجرد صفات جميلة في الخطب والمؤتمرات.

فالمرحلة المقبلة ستكون أكثر تعقيدا. المواطن يريد نتائج، والاقتصاد يحتاج إلى كفاءات، والإدارة تحتاج إلى الابتكار، والتحولات الدولية تفرض دبلوماسية أكثر احترافا، والمجتمع أصبح أكثر وعيا بحقوقه وأكثر قدرة على مراقبة المسؤولين.

وفي مثل هذه البيئة، لن يكون كافيا أن تكون سياسيا قادرا على الفوز في الانتخابات. المطلوب أن تكون قادرا على فهم الدولة.

وهذا هو الفرق بين السياسي الذي يبحث عن الموقع والسياسي الذي يستحق المسؤولية.

الأول يسأل: كيف أصل؟

أما الثاني فيسأل: ماذا سأفعل عندما أصل؟

الأول يرى المسؤولية مكسبا.

والثاني يراها امتحانا.

الأول يريد أن تبقى المؤسسة مرتبطة به.

والثاني يريد أن تصبح المؤسسة أقوى منه.

لهذا فإن معركة تجديد النخب ليست معركة بين الشباب والكبار، ولا بين جيل وآخر، وإنما هي معركة بين ثقافتين سياسيتين: ثقافة تعتبر المسؤولية امتيازا قابلا للاحتكار، وثقافة تعتبرها تكليفا قابلا للتداول.

وفي النهاية، فإن الدولة لا تحتاج إلى سياسيين لا يمكن الاستغناء عنهم، وإنما تحتاج إلى مؤسسات تستطيع أن تستمر من دون أن تتوقف على شخص.

فالمسؤول الحقيقي ليس من يجعل المؤسسة تحتاج إليه إلى الأبد، وإنما من يجعلها قادرة على الاستمرار بعده.

وحين نصل إلى هذه المرحلة، لن يكون تجديد النخب مجرد شعار انتخابي، بل سيصبح جزءا من ثقافة الدولة، ومنطق المؤسسات، وجوهر الديمقراطية.