حين تفقد السياسة معناها: من صراع المواقع إلى سؤال الشرعية والسلطة
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية
ليست السياسة مجرد سباق نحو المواقع، ولا الانتخابات مجرد آلية للوصول إلى المقاعد، ولا المؤسسات مجرد فضاءات لتوزيع المسؤوليات. السياسة، في جوهرها، هي الطريقة التي ينظم بها المجتمع اختلافاته، ويحدد من خلالها أولوياته، ويحول بها إرادته الجماعية إلى قرارات عمومية. وحين تنفصل السياسة عن هذه الوظيفة، فإنها قد تستمر في إنتاج الخطابات والانتخابات والفاعلين، لكنها تبدأ في فقدان معناها الحقيقي.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: من يحكم؟ وإنما: لماذا يحكم؟ وبأي شرعية؟ ولأي غاية؟ وما الذي يجعل ممارسة السلطة مقبولة في نظر المجتمع؟ هذه الأسئلة ليست ترفا نظريا، بل هي في صميم التفكير السياسي الحديث، لأنها تنقل النقاش من الأشخاص إلى طبيعة السلطة، ومن المواقع إلى المسؤولية، ومن القدرة على الوصول إلى القرار إلى القدرة على تبرير هذا القرار والدفاع عن نتائجه أمام المواطنين.
لقد قدم ماكس فيبر واحدة من أكثر القراءات تأثيرا في فهم الشرعية السياسية عندما ربط استقرار السلطة بقبولها الاجتماعي وبالأساس الذي تستند إليه. فالسلطة لا تستمد قوتها فقط من امتلاك أدوات القرار، وإنما أيضا من اعتقاد المجتمع بوجود مبرر لممارستها. وفي الدولة الحديثة، تصبح الشرعية القانونية والمؤسساتية أساسا ضروريا، لكن الشرعية لا تكتمل بمجرد احترام الإجراءات؛ إذ إن المواطن يريد أن يرى في المؤسسة قدرة على تحقيق المصلحة العامة والاستجابة للحاجات الاجتماعية.
وهنا يظهر الفرق بين الشرعية الانتخابية والشرعية السياسية بمعناها الأوسع. الانتخابات تمنح التفويض، لكنها لا تمنح حصانة دائمة. الفوز في صندوق الاقتراع لا يعني أن كل قرار لاحق أصبح صحيحا، كما أن الحصول على الأغلبية لا يعفي المسؤول من المساءلة. الديمقراطية ليست فقط لحظة تصويت، وإنما منظومة مستمرة من التمثيل والمراقبة والمحاسبة والتقييم.
ومن هذه الزاوية، يصبح السياسي أمام معادلة بسيطة في ظاهرها وعميقة في مضمونها: كلما اتسعت سلطته، اتسعت مسؤوليته. وكلما ارتفع موقعه داخل المؤسسات، ارتفع مستوى المحاسبة السياسية المنتظرة منه. ولذلك فإن المنصب العام لا ينبغي أن يتحول إلى مصدر للامتياز الشخصي، لأن جوهر الوظيفة السياسية هو خدمة الشأن العام.
أما بيير بورديو، فقد قدم من جهته أدوات مهمة لفهم السياسة باعتبارها أيضا مجالا للتنافس على الرأسمال الرمزي والمواقع والنفوذ. وفي الحياة السياسية، لا يتنافس الفاعلون فقط حول البرامج والأفكار، وإنما أيضا حول الاعتراف والمكانة والقدرة على التأثير. والمشكلة تبدأ عندما يصبح هذا التنافس على الموقع أقوى من التنافس حول المشروع. عندها تتحول السياسة تدريجيا من مجال لإنتاج البدائل إلى مجال لإعادة إنتاج النفوذ.
وهنا تكمن إحدى المفارقات الكبرى في العمل السياسي: قد يكون السياسي ناجحا في الوصول إلى الموقع، لكنه يفشل في أداء الوظيفة. وقد يستطيع بناء شبكة واسعة من العلاقات، لكنه يعجز عن بناء سياسة عمومية ناجعة. وقد ينجح في إدارة صورته أمام الرأي العام، بينما تكون حصيلة مسؤوليته أقل بكثير من حجم الخطاب الذي يقدمه.
لهذا السبب تحتاج الديمقراطية إلى الانتقال من سؤال الشعبية إلى سؤال الأداء. فالشعبية مهمة، لكنها ليست معيارا وحيدا للحكم على المسؤول السياسي. والكاريزما قد تساعد على الإقناع، لكنها لا تصنع وحدها سياسة عمومية ناجحة. والخطاب قد يصنع الانطباع، لكنه لا يبني مدرسة، ولا يعالج أزمة صحية، ولا يوفر فرص الشغل، ولا يحقق العدالة المجالية.
روبرت دال، في دراسته للديمقراطية، جعل التعدد والمشاركة والتنافس السياسي عناصر أساسية لفهم النظام الديمقراطي. لكن الديمقراطية لا تستقيم بمجرد وجود التعدد، بل تحتاج إلى مواطن قادر على المشاركة، ومؤسسات قادرة على الاستجابة، ونخب سياسية تقبل قواعد التنافس، وتحترم نتائج المؤسسات، وتدرك أن السلطة قابلة للتداول وأن المعارضة ليست عداء للدولة، كما أن الأغلبية ليست ملكية دائمة للحكم.
وهنا تبرز مسألة تداول النخب باعتبارها شرطا من شروط الحيوية السياسية. فالمجتمعات لا تبقى ثابتة، والأجيال تتغير، والأسئلة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية تتطور. ولذلك فإن استمرار نفس العقليات والأساليب، حتى مع تغيير بعض الوجوه، قد يؤدي إلى إنتاج الأزمة نفسها بأشكال جديدة. التجديد السياسي الحقيقي لا يعني فقط استبدال شخص بآخر، بل يعني إدخال كفاءات وأفكار وأساليب جديدة إلى المجال العام.
ومن أخطر مظاهر أزمة السياسة أن يتحول الحزب إلى وسيلة للترقي الشخصي بدل أن يكون مدرسة لصناعة البدائل. فالحزب في الديمقراطية ليس مجرد آلة انتخابية، وإنما مؤسسة لإنتاج الأفكار وتكوين النخب وتأطير المواطنين وصياغة البرامج والمساهمة في صناعة القرار. وعندما تضعف هذه الوظائف، يصبح التنافس الداخلي أقرب إلى صراع حول المواقع منه إلى اختلاف حول المشاريع.
إن السياسة التي لا تنتج أفكارا تتحول إلى إدارة للمواقع، والسياسة التي لا تنتج نخب جديدة تتحول إلى إعادة تدوير، والسياسة التي لا تنتج نتائج تتحول في نظر المواطن إلى مجرد خطاب.
ومن هنا يمكن فهم جانب من أزمة الثقة التي تعرفها المجتمعات الحديثة تجاه المؤسسات السياسية. المواطن لا يطلب من السياسي أن يكون معصوما من الخطأ، لكنه يريد أن يرى القدرة على الاعتراف بالخطأ وتصحيحه. ولا ينتظر وعودا بلا حدود، بل يريد التزامات قابلة للقياس. ولا يبحث فقط عن سياسي يتحدث باسمه، بل عن مؤسسة تستطيع أن تجعل صوته مؤثرا في القرار.
وهذا يعني أن إعادة بناء الثقة لا تبدأ من الحملات الانتخابية، وإنما من داخل المؤسسات نفسها. تبدأ من الشفافية، ومن وضوح المسؤوليات، ومن احترام القانون، ومن ربط المسؤولية بالمحاسبة، ومن إخضاع السياسات العمومية للتقييم. فالدولة الحديثة لا تقاس فقط بعدد المؤسسات التي تتوفر عليها، بل بقدرتها على جعل هذه المؤسسات تعمل بكفاءة وتتكامل فيما بينها وتخضع لقواعد واضحة.
كما أن الديمقراطية لا يمكن أن تختزل في مبدأ الأغلبية وحده. فالأغلبية تحسم الاختيار السياسي، لكنها لا تلغي المجتمع، ولا تلغي المعارضة، ولا تلغي الحقوق، ولا تعفي السلطة من احترام القانون. ولذلك فإن قوة الديمقراطية تقاس أيضا بقدرتها على حماية الاختلاف وتنظيمه، لا بمحاولة إلغائه.
إن السياسة الناضجة هي التي تدرك أن الاختلاف ليس عيبا في الحياة العامة، وأن النقد ليس خيانة، وأن المعارضة ليست عداء للمؤسسات. الاختلاف جزء من طبيعة المجال السياسي، وما تحتاجه الدولة ليس غياب الاختلاف، وإنما وجود قواعد مؤسساتية تجعل الاختلاف منتجا بدل أن يتحول إلى صراع مدمر.
وفي المغرب، كما في غيره من الديمقراطيات، تظل الحاجة قائمة إلى ترسيخ هذا الانتقال من السياسة باعتبارها صراعا على المواقع إلى السياسة باعتبارها تنافسا حول المشاريع. فالمرحلة الجديدة تحتاج إلى نخب سياسية تمتلك المعرفة بقدر امتلاكها للقدرة على التواصل، وتفهم المؤسسات بقدر فهمها للانتخابات، وتدرك أن تدبير الدولة أكثر تعقيدا من تدبير حملة انتخابية.
السياسة ليست مهنة للبقاء، بل مسؤولية للمساهمة. والمنصب ليس دليلا على النجاح، بل اختبار له. والانتخابات ليست نهاية الطريق، وإنما لحظة يبدأ بعدها الامتحان الحقيقي: ماذا فعلت بالثقة التي منحك إياها المواطن؟
وفي النهاية، فإن السؤال الأكبر ليس كم شخصا وصل إلى مواقع المسؤولية، وإنما ماذا تغير بعد وصولهم. وليس كم خطابا قيل باسم المواطن، وإنما كم سياسة عمومية صنعت فرقا حقيقيا في حياته. وليس كم سنة بقيت النخب في المشهد، وإنما ماذا أضافت خلال تلك السنوات.
السياسة تفقد معناها عندما يصبح الموقع أهم من الوظيفة، والولاء أهم من الكفاءة، والصورة أهم من الحصيلة، والبقاء أهم من التجديد.
أما حين تستعيد السياسة معناها، فإن السلطة تصبح مسؤولية، والمنصب يصبح تكليفا، والانتخابات تصبح عقدا سياسيا متجددا، والمؤسسات تصبح فضاءات لصناعة القرار، والمواطن يتحول من مجرد ناخب إلى شريك في الحياة العامة.
في النهاية، لا تقاس قيمة السياسي بطول بقائه في المشهد، ولا بعدد المواقع التي شغلها، وإنما بقدرته على أن يجعل من السلطة وسيلة لخدمة المجتمع، ومن المسؤولية التزاما، ومن السياسة فعلا عموميا يستحق ثقة المواطنين.