“نريد محاماة رصينة”.. وزير العدل يفتح النار على السلوكيات غير المهنية داخل الجلسات

0

شدد وزير العدل عبد اللطيف وهبي على أن التعديلات التي تشهدها مهنة المحاماة في المغرب تندرج ضمن رؤية إصلاحية شاملة تهدف إلى الرفع من جودة العدالة وتعزيز احترافية المهنة، رغم ما تثيره من ردود فعل آنية داخل الأوساط المهنية.

وأوضح وهبي، في تصريحات أدلى بها أمام لجنة العدل والتشريع وحقوق والانسان بمجلس النواب أن بعض الاعتراضات الحالية ترتبط بـ”حسابات ومصالح ظرفية”، مؤكدا أن تقييم هذه الإصلاحات “سيختلف بعد سنة أو سنتين أو ثلاث”، حين تظهر آثارها على أداء المنظومة القضائية.

وأبرز المسؤول الحكومي خلال المناقشة العامة لمشروع قانون مهنة المحاماة، أن عددا من المقتضيات القانونية، من بينها المادة 57، وُضعت أساسا لخدمة مصلحة المحامي والمتقاضي على حد سواء، وتعزيز استقلالية المهنة.

وأكد الوزير أن الهدف المركزي من هذه الإصلاحات هو إعادة الاعتبار لصورة المحامي داخل المجتمع، مشيرا إلى أن المهنة عرفت في مراحل سابقة حضورا قويا ومؤثرا، قبل أن تتراجع في بعض جوانبها.

وأضاف: “أريد فعلا أن تكون المهنة في مستوى أعلى”، مستحضرا تجربته التي تمتد لثلاثة عقود في سلك المحاماة، إلى جانب اشتغاله في مجالات حقوق الإنسان والمحاكم الدولية.

وانتقد وهبي بعض الممارسات التي تسيء للمهنة، مثل اللجوء إلى أساليب غير مهنية داخل الجلسات أو تعطيل سير القضايا، مشددا على أن دور المحامي يجب أن يظل محصورا في الدفاع القانوني الرصين، بعيدا عن أي مظاهر ضغط أو استعراض.

وفي سياق تطوير الكفاءات، كشف وزير العدل عن مشروع إحداث معاهد جهوية لتكوين المحامين، بداية بمدينة طنجة، مع التوجه نحو تعميمها على مدن أخرى مثل أكادير ووجدة وآسفي. وأكد أن هذه المعاهد ستعتمد برامج حديثة تشمل التكوين اللغوي (العربية، الفرنسية، الإنجليزية) والتدريب على الممارسة المهنية وفق المعايير الدولية.

كما توقف عند التحولات الرقمية، خاصة الذكاء الاصطناعي، محذرا من تأثيراته المستقبلية على مهن العدالة، بما فيها المحاماة والقضاء. وأشار إلى أن بعض التجارب الدولية بدأت تطرح أسئلة جدية حول دور المحامي في ظل التطور التكنولوجي، ما يستدعي تأهيل المهنيين لمواكبة هذه التغيرات.

وأكد وهبي على ضرورة تعزيز المسؤولية المهنية للمحامين، معتبرا أن العلاقة بينهم وبين الموكلين تقوم على التزامات واضحة، وإن كانت “ليست التزاما بنتيجة بل بوسيلة”. لكنه شدد في المقابل على أن الأخطاء المهنية الجسيمة، مثل السقوط في عدم القبول بسبب الإهمال، تستوجب المساءلة.

وفي هذا الإطار، دعا إلى تطوير نظام التأمين المهني ليكون أكثر فعالية في حماية حقوق المتقاضين، مع إعادة النظر في آليات التأديب داخل الهيئات المهنية، بما يضمن التوازن بين استقلالية المهنة وحماية مصالح المواطنين.

وتطرق الوزير إلى إشكالات مرتبطة بتنظيم المهنة، من بينها إثبات الصفة المهنية، داعيا إلى اعتماد وسائل حديثة كالبطاقات المهنية والمنصات الرقمية لتفادي حالات انتحال الصفة. كما نبه إلى المنافسة التي قد تفرضها الشركات الدولية ومكاتب الاستشارة القانونية، داعياً إلى تحصين المهنة قانونياً وتنظيمياً.
وفي الجانب الاجتماعي، كشف وهبي عن مقترحات لدعم المحامين، تشمل تعزيز موارد التعاضدية، وتطوير نظام التغطية الصحية، إضافة إلى إحداث آليات تمويل جديدة، من بينها تخصيص جزء من المصاريف القضائية لفائدة الهيئات المهنية.

وأشار إلى أن الوزارة عقدت عشرات الاجتماعات مع ممثلي المحامين للوصول إلى توافقات حول هذه الإصلاحات، غير أن بعض المبادرات كانت تواجه بالتردد أو الرفض، رغم ما تحمله من امتيازات مهنية واجتماعية.

وسجل الوزير أن إصلاح مهنة المحاماة خيار استراتيجي لا رجعة فيه، يهدف إلى بناء منظومة عدالة عصرية وفعالة، قادرة على مواكبة التحولات الوطنية والدولية، وضمان حقوق المتقاضين في إطار من المهنية والمسؤولية.

وكشف وهبي عن تصور لإحداث موارد مالية إضافية لفائدة هيئات المحامين، عبر تخصيص جزء من المصاريف القضائية، بما يمكن من دعم التعاضدية وتعزيز نظام المساعدة القضائية.

وأشار إلى وجود اختلالات في توزيع هذه المساعدات، حيث يستفيد عدد محدود من المحامين بمبالغ كبيرة، مقابل استفادة عدد كبير بمبالغ ضعيفة، ما يستدعي إعادة هيكلة النظام لضمان عدالة أكبر.

ونبه الوزير إلى التحدي الذي تطرحه الشركات الدولية ومكاتب الاستشارة القانونية، التي قد تدخل السوق بطرق غير مباشرة، داعيا إلى تقنين مجال الاستشارة القانونية وحصره في المحامين المؤهلين.وأكد أن حماية المهنة تقتضي أيضا ضبط هذا المجال، ومنع أي ممارسات تلتف على الإطار القانوني المنظم.

واعتبر عبد اللطيف وهبي أن إصلاح مهنة المحاماة لا يقتصر على تعديل النصوص، بل يشمل تغييرا عميقا في الثقافة المهنية، يقوم على الانضباط، التكوين المستمر، والانفتاح على التحولات العالمية.وأكد أن الوزارة ماضية في هذا الورش، رغم الصعوبات، بهدف بناء منظومة عدالة حديثة، قادرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين وضمان حقوقهم في إطار من الكفاءة والمسؤولية.