نشتغل أكثر… ونستقر أقل: أزمة الأمان المهني في المغرب

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
طالب باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية

لم يعد العمل في المغرب يحمل نفس المعنى الذي كان له في السابق. فبعدما كان ينظر إليه كمدخل أساسي للاستقرار وبناء المستقبل، أصبح اليوم، بالنسبة لكثيرين، مجرد وسيلة مؤقتة لتأمين الحد الأدنى من العيش. هذا التحول الصامت في طبيعة العمل يطرح سؤالا جوهريا: هل فقدت الوظيفة قدرتها على منح الأمان؟

في الواقع، لم تعد المشكلة تقتصر على البطالة فقط، بل امتدت لتشمل جودة فرص الشغل نفسها. فحتى من يشتغل، لا يشعر دائما بالاستقرار. عقود مؤقتة، هشاشة في الوضعية المهنية، وضغط متزايد للحفاظ على الوظيفة، كلها عوامل تجعل من العمل تجربة غير مضمونة النتائج.

المفارقة أن سوق الشغل قد يوفر أحيانا فرصا، لكن بدون ضمانات كافية. وهو ما يخلق وضعا غريبا: اشتغال بدون استقرار، وإنتاج بدون أمان. في مثل هذا السياق، يصبح التخطيط للمستقبل أمرا صعبا، إن لم يكن مستحيلا، خاصة بالنسبة لفئة الشباب التي تبحث عن بداية واضحة لمسارها المهني.

هذا الواقع لا ينعكس فقط على الفرد، بل يمتد إلى المجتمع ككل. فغياب الاستقرار المهني يؤثر على قرارات أساسية في الحياة، من قبيل الزواج، والاستثمار، وحتى الاستقرار النفسي. حين لا يكون العمل كافيا لضمان الأمان، تتراجع الثقة، ويصبح القلق جزءا من الحياة اليومية.

ولا يمكن فصل هذا الوضع عن طبيعة التحولات الاقتصادية، واختيارات سوق الشغل، ومدى قدرة السياسات العمومية على مواكبتها. فخلق فرص الشغل يظل ضروريا، لكن الأهم هو جودة هذه الفرص، ومدى قدرتها على توفير شروط الاستقرار والكرامة.

كما أن هذا النقاش يرتبط بشكل وثيق بالحوار الاجتماعي، الذي يفترض فيه أن يكون فضاء لمعالجة مثل هذه الإشكالات. غير أن ضعف أثر هذا الحوار، كما ظهر في محطات سابقة، يزيد من تعقيد الوضع، ويجعل من مطالب الشغيلة أكثر إلحاحا.

إن العمل، في جوهره، ليس فقط وسيلة للعيش، بل ركيزة للاستقرار الاجتماعي. وحين يفقد هذه الوظيفة، يصبح المجتمع أمام تحدٍ حقيقي، لا يتعلق فقط بالاقتصاد، بل أيضا بالتوازن العام.

في النهاية، قد ننجح في خلق فرص شغل، لكن التحدي الأكبر يظل في جعلها فرصا حقيقية للحياة، لا مجرد حلول مؤقتة. فبين العمل والاستقرار، علاقة لا يمكن فصلها دون أن ندفع الثمن.

فهل نعيد الاعتبار للأمان المهني كأولوية؟ أم نكتفي بتوفير العمل… ولو بدون استقرار؟