وزير الفلاحة البرتغالي يشيد من مكناس بنموذج المغرب الفلاحي.. ويهاجم الإيديولوجيات المناهضة لأكل اللحوم

0

في مداخلة مطولة وحافلة بالرسائل السياسية والاقتصادية والتقنية، أشاد وزير الفلاحة البرتغالي خوسيه مانويل فيرنانديز، في كلمة له في الجلسة الافتتاحية للدورة 18 للمعرض الدولي للفلاحة بالمغرب الذي تحتضنه مدينة مكناس بين 20 و28 أبريل الجاري، (أشاد) بمستوى التطور الذي حققه المغرب في المجال الفلاحي، معتبرا أن ما تحقق في المملكة يعكس “تنمية ذكية ومستدامة وشاملة”، ومؤكدا في الآن نفسه أن هذه التظاهرة الدولية لا تمثل فقط موعدا قطاعيا لعرض المنتوجات والخبرات، بل تشكل أيضا فضاء استراتيجيا للشراكة والحوار والتبادل التجاري والتعاون العملي بين الدول، خاصة بين المغرب والبرتغال.

وفي حضرة نظيره المغربي، وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، محمد البواري، وعدد من الوزراء والمسؤولين الدوليين، عبر الوزير البرتغالي عن تقديره لما سماه العمل الاستثنائي الذي ينجزه المغرب في هذا القطاع الحيوي، مبرزا أن التنمية التي يراها في المملكة ليست فقط تنمية اقتصادية بالمعنى الضيق، بل هي تنمية “ذكية” من حيث التدبير، و”مستدامة” من حيث مراعاة التوازنات البيئية والموارد، و”شاملة” من حيث إدماج مختلف المجالات والفئات والجهات، معبرا عن اعتزازه بكون البرتغال حظيت بتمييز خاص خلال هذه الدورة، وبكونها كانت في قلب هذه المبادرة والتنظيم، ما يعكس، بحسبه، مكانة العلاقات الثنائية بين الرباط ولشبونة داخل هذا الحدث الدولي الكبير.

وأكد الوزير أن المعرض الدولي للفلاحة بمكناس يمثل أكثر من مجرد صالون مهني؛ فهو، في نظره، مكان للتحسين الجماعي، وفضاء لعقد الشراكات، ومنصة للتبادل التجاري، ومجال لتطوير التعاون بين البلدان، مشددا في هذا السياق على أن التعاون المطلوب اليوم لا يجب أن يبقى حبيس الكلمات أو البيانات المشتركة، بل ينبغي أن يصبح “تعاونا فعليا” على الأرض، قائما على الإنجاز والتنفيذ، لا على الاكتفاء بالمذكرات والوثائق.

ولم يكتف الوزير البرتغالي بالإشادة التنظيمية أو الدبلوماسية، بل حرص على إبراز البعد الجيوسياسي والاستراتيجي للمعرض، معتبرا أنه تحول إلى “منصة دولية للحوار والابتكار والتعاون” على المستوى الإفريقي والدولي. وفي هذا الإطار، أبرز أن البرتغال تولي أهمية كبرى للعلاقات الثنائية الممتازة مع المغرب، مضيفا أن البلدين، كما قال، ليسا فقط جارين، بل بلدين صديقين تجمعهما طموحات مشتركة، رغم أن بينهما المحيط الأطلسي، معتبرا أن هذا المحيط لا يشكل حاجزا، بل هو “جسر” يربط بين البلدين، ويمنحهما أساسا طبيعيا وتاريخيا لتطوير شراكة أكثر قوة في المجال الفلاحي والغذائي.

وأوضح الوزير أن المغرب والبرتغال يتقاسمان الهدف ذاته المتمثل في بناء نظم غذائية قادرة على الصمود، ومستدامة، وتنافسية، مبزرا الدور الاستراتيجي للإنتاج الحيواني في تحقيق الأمن الغذائي، حيث وتوقف عند مفهوم الأمن الغذائي ليعطيه مضمونا مباشرا وعمليا، موضحا أن الأمر يتعلق قبل كل شيء بـ”وجود الطعام في الطبق”، أي بضمان غذاء فعلي ومتاح وآمن للمواطنين.

واعتبر أن الإنتاج الحيواني ليس فقط ركيزة لتأمين الغذاء، بل هو أيضا محرك أساسي للاقتصاد القروي ولحيوية المجالات الترابية، منوها في هذا السياق بالسياسات المغربية التي تسعى إلى رفع التنافسية دون إغفال التماسك الترابي، وهو ما اعتبره عنصرا أساسيا في أي رؤية ناجحة للتنمية القروية والعدالة المجالية.

وفي معرض حديثه عن الرؤية التي ينبغي أن تؤطر المستقبل الفلاحي، شدد الوزير البرتغالي على ضرورة تحقيق التوازن بين عدة متطلبات متكاملة؛ الإنتاجية، والرفق بالحيوان، والاستدامة البيئية، والقدرة على مواجهة الاضطرابات المناخية.

ورأى فيرنانديز، أن هذه المعادلة باتت ضرورية في ظل التغيرات الدولية المتسارعة، وفي ظل التأثير المتزايد للتغير المناخي الذي لا يعترف، بحسب تعبيره، بالحدود الوطنية، داعيا، من هذا المنطلق، إلى مزيد من العمل الجماعي والتنسيق المشترك، مبرزا أن البحث العلمي والابتكار عنصران حاسمان في مواجهة هذه التحديات، معتبرا أن قطاع تربية الماشية والإنتاج الحيواني يوجد في قلب الانتقال نحو نظم غذائية أكثر نجاعة ودائرية وأقل انبعاثا للكربون، ما يجعله جزءا من الحل وليس جزءا من المشكلة.

الجلسة الافتتاحية للدورة 18 للمعرض الدولي للفلاحة بالمغرب الذي تحتضنه مدينة مكناس بين 20 و28 أبريل الجاري،
وخصص الوزير البرتغالي حيزا مهما من كلمته لقضية التغير المناخي وندرة المياه، معتبرا أن هذه المعضلة تشكل تحديا مشتركا يتفاقم على نحو خاص في مناطق المتوسط ذات الخصائص المناخية المتشابهة، مؤكدا أن الضغط المتزايد على الموارد المائية يفرض اللجوء إلى تكنولوجيات مقتصدة للماء وإلى أساليب تدبير أكثر ذكاء.

وشدد على أن الماء عنصر “حاسـم ومطلق الأهمية”، موضحا أن حسن إدارة المياه لا يقتصر على توفيرها للزراعة فقط، بل يشمل أيضا تأمينها للاستهلاك البشري، ولإنتاج الطاقة حين يكون ذلك ممكنا، بل وحتى لاحتجازها في بعض الحالات لتفادي الفيضانات، كما حدث في تجارب عاشتها البرتغال، داعيا إلى اعتماد تدبير ذكي للمياه يقوم على التخزين، وإقامة السدود والخزانات، والتوزيع الرشيد، والتوفيق بين مختلف الاستعمالات الحيوية للمورد المائي.

وفي هذا السياق، قدم الوزير مثالا من التجربة البرتغالية، كاشفا أن بلاده تتوفر على خطة استثمارية تمتد إلى غاية 2040، مع هدف استثماري يصل إلى 5.4 مليارات يورو بحلول سنة 2030، مستعرضا تجربة بلاده الرائدة في هذا المجال، قائلا: “الإدارة الذكية للمياه ضرورة مطلقة”. وضرب مثالا بـ”سد ألكيفا” في البرتغال الذي يعد أكبر بحيرة اصطناعية في أوروبا، والذي كلف استثمارا بقيمة 2.5 مليار يورو، لكنه اليوم يدر على ميزانية الدولة 330 مليون يورو سنويا، مؤكدا أن البرتغال تمتلك خطة استثمارية في مجال المياه تصل إلى 5.4 مليار يورو بحلول عام 2030.

وانتقل الوزير بعد ذلك إلى قضية تدبير التربة والبحث العلمي، معتبرا أن العمل على استدامة التربة لا يقل أهمية عن العمل على الماء، مؤكدا أن التعاون بين الدول يجب أن ينصب أيضا على البحث التطبيقي ذي الأهداف العملية والملموسة، متوقفا بشكل خاص عند موضوع الصحة الحيوانية، موضحا أن الأمراض الحيوانية بدورها لا تعترف بالحدود، ما يجعل التنسيق الدولي ضرورة وليس اختيارا.

وفي هذا الباب، كشف أن البرتغال تشتغل من أجل أن يتضمن “الصندوق الأوروبي المقبل للتنافسية”، الذي قال إن حجمه قد يصل إلى حوالي 400 مليار يورو خلال الفترة 2028-2034، تمويلات مخصصة للبحث العلمي المتعلق بالقضايا الصحية التي تؤثر على الجميع، مبرزا أن هذا الجهد ينبغي أن يشمل البلدان الإفريقية، ولا سيما من خلال تمكينها من لقاحات بيطرية فعالة وفي الوقت نفسه ميسورة الكلفة، لأن النجاعة وحدها لا تكفي إذا ظل السعر مرتفعا ولا يسمح بالوصول العادل إلى هذه الحلول، معتبرا أن توفير هذه اللقاحات بأسعار معقولة يدخل في صميم التضامن الواجب بين الدول.

وفي امتداد لهذا الطرح، قال الوزير إن البرتغال تضع ضمن أولوياتها، إلى جانب الصحة الحيوانية، الصحة النباتية أيضا، فضلا عن ما سماه “التقنيات الجديدة للتحسين” أو التطوير الوراثي والزراعي، موضحا أن الفلاحة المستقبلية تحتاج إلى أصناف نباتية أكثر مقاومة للجفاف، وأكثر قدرة على تحمل الرياح والظروف المناخية الصعبة.

كما أكد دعم بلاده للأنظمة الزراعية المستدامة والتجديدية، غير أنه شدد على أن هذه النماذج لن تنجح من دون ماء ومن دون تربة سليمة. وفي هذا الإطار، عاد للتأكيد على أهمية البحث التطبيقي والتحسينات الجينية، بوصفها أدوات عملية ضرورية لتعزيز صمود الزراعات في مواجهة التحولات المناخية والضغوط البيئية.

كما أبرز أن التكنولوجيا يجب أن تكون جزءا أساسيا من التحول الفلاحي، مشيرا إلى الروبوتات والطائرات بدون طيار والرقمنة باعتبارها أدوات ينبغي أن تكون متاحة للجميع، لا حكرا على فاعلين بعينهم أو دول دون أخرى.

وتحدث أيضا عن أهمية تثمين السلاسل القصيرة، والجودة، وشهادات المنشأ، معتبرا أن هذه العناصر تكتسي أهمية خاصة في بلدان مثل المغرب والبرتغال، حيث التنوع الجغرافي والثقافي والبيولوجي يشكل قيمة مضافة حقيقية، معتبرا أن اختلافات المنشأ ليست مجرد تباينات شكلية، بل تعكس تنوعا بيولوجيا، ومعارف محلية، ونكهات فريدة، وهي كلها عناصر يمكن تحويلها إلى رافعة اقتصادية وتسويقية متقدمة في الأسواق الوطنية والدولية.

وعلى مستوى التعاون الثنائي والمتعدد الأطراف، عبر الوزير البرتغالي عن رغبة بلاده في تعزيز التعاون العلمي بين مؤسسات البحث وتبادل المعارف والخبرات، مؤكدا دعم البرتغال لشراكات تجارية تقوم على الابتكار، وتشجيع الصادرات، واستكشاف إمكانيات الاستثمار المتبادل، إضافة إلى دعم التكوين التقني الموجه للشباب الفلاحين والتقنيين.

واعتبر أن أحد أكبر التحديات التي تواجه الدول، وخاصة في أوروبا، يتمثل في ضمان تجديد الأجيال داخل القطاع الفلاحي، مشددا على أن استقطاب الشباب نحو المهنة لا يمكن أن يتم من دون ضمان دخل عادل ومنصف. وفي هذا الصدد، أطلق رسالة واضحة مفادها أن الفلاح لا يمكن أن يظل “الخاسر الدائم” داخل سلسلة القيمة، ما يستوجب إعادة النظر في آليات توزيع الربح والقيمة المضافة داخل المنظومة الغذائية.

وفي سياق تقديم صورة البرتغال داخل المعرض، قال الوزير إن بلاده تشارك في SIAM 2026 باعتبارها شريكا استراتيجيا يتوفر على تكنولوجيات ومعارف ومنتجات غذائية وزراعية عالية الجودة، مؤكدا استعداد البرتغال لتعميق المشاريع المشتركة مع المغرب في مجالات الصناعات الزراعية، والإنتاج الحيواني المستدام، وتدبير الموارد الطبيعية، والبحث العلمي، والابتكار.

كما جدد التأكيد على التزام بلاده بتقوية العلاقات الاقتصادية والمؤسساتية في إطار هذا الموعد الدولي، معتبرا أن تحويل النظم الغذائية لا يمكن أن يتم إلا عبر تعاون دولي متين، وبحث وابتكار، وسياسات عمومية قوية.

ولم تخل كلمة الوزير من بعد قيمي وسياسي أوسع، إذ أكد أن البرتغال تجدد التزامها بأهداف التنمية المستدامة، وبتنفيذ اتفاق باريس للمناخ، وبالمساهمة في بناء نظم غذائية قادرة على الصمود وشاملة للجميع، مؤكدا أن الإنتاج الحيواني المستدام يظل جزءا من الحل لضمان غذاء آمن ومغذ للأجيال المقبلة.

وفي فقرة لافتة، انتقد ما اعتبره توجهات أو “إيديولوجيات” تحاول التشكيك في مشروعية استهلاك اللحوم أو إضعاف مكانة الإنتاج الحيواني، وقال بشكل واضح إنه يجب أن يكون حرا في أكل اللحوم، تماما كما أن الآخرين أحرار في عدم أكلها، معتبرا أن بعض التوجهات تسعى إلى تعقيد الأمور لجعل الإنتاج الحيواني يبدو كما لو أنه غير ضروري، بينما يرى هو أن هذا الإنتاج “أساسي بشكل مطلق” في المنظومة الغذائية والاقتصادية.

شدد الوزير البرتغالي على أن بلاده عازمة على توطيد الصداقة والشراكة الاستراتيجية مع المغرب، معبرا عن الإرادة الكاملة لتعميق التعاون الثنائي والمتعدد الأطراف، قائلا إن “الشعوب تستحق هذا الانتقال العملي، خصوصا في ظل وجود مستثمرين جيدين، وشركات كفؤة، ومقاولات صغرى ومتوسطة واعدة، وكفاءات حكومية وجامعية، سواء في المغرب أو في محيط الشراكة”.

وفي ختام مداخلته، أكد وزير الفلاحة البرتغالي خوسيه مانويل فيرنانديز، أن كل الشروط متوفرة من أجل بناء عالم أكثر عدالة وإنصافا، تكون فيه الشراكات مصدرا للاستقرار والتوقع الإيجابي في عالم يزداد يوما بعد يوم صعوبة وتقلبا وعدم قابلية للتنبؤ.