العلاقات غير المتكافئة بين البالغين والقاصرات في المغرب: السلطة، التحولات القيمية، وإعادة إنتاج اللاتكافؤ الاجتماعي

0

د. هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع
الجزء الثاني

المدرسة كفضاء اجتماعي لإعادة إنتاج الاختلال
لا تختزل المؤسسات التعليمية من الإعداديات الثانويات والثانويات التأهيلية في كونها مؤسسات وظيفتها الأساسية نقل المعارف، بل تفهم، من منظور سوسيولوجي، باعتبارها حقولا اجتماعية مركبة تتقاطع فيها أنساق متعددة من السلطة والمعنى، حيث تتداخل رهانات الطبقة، والجندر، والرأسمال الثقافي في تشكيل التجربة اليومية للتلاميذ. داخل هذا الفضاء، لا تنتج المدرسة المعرفة فقط، بل تنتج أيضا أنماط التموقع الاجتماعي والهويات الجندرية، عبر شبكة من التفاعلات اليومية التي تبدو عادية في ظاهرها لكنها تحمل أبعادا بنيوية عميقة.
في هذا السياق، تعاد إنتاج التفاوتات الطبقية من خلال مؤشرات متعددة: أنماط اللباس، نوعية الوسائل المادية، اللغة المستعملة، وأشكال الاستهلاك الرمزي التي تميز بين الفاعلين داخل الفضاء المدرسي. هذه العناصر لا تشتغل كفروقات سطحية، بل كعلامات تموقع داخل سلم غير رسمي للهيمنة والاعتراف. كما تتبلور داخل المدرسة ديناميات استعراض رمزي، حيث يصبح المظهر والانتماء الجماعي والرأسمال الثقافي أدوات لتثبيت المكانة أو السعي نحو الاعتراف داخل الحقل المدرسي.
في ظل هذه البنية، قد تتحول بعض حالات الهشاشة الفردية، خصوصا لدى التلميذات اللواتي يعانين من ضعف الاندماج المدرسي أو محدودية الدعم الأسري، إلى نقطة قابلة للاستثمار داخل علاقات غير متكافئة. فغياب الاعتراف داخل المؤسسة التعليمية، سواء في بعده الأكاديمي أو الاجتماعي، قد يدفع نحو البحث عن أشكال بديلة من الاعتراف خارج الإطار المدرسي الرسمي، وهو ما يفتح المجال أمام علاقات تتأسس على تفاوت واضح في السن أو المكانة أو الموارد الرمزية والمادية.
ويتفاقم هذا الوضع بفعل محدودية أو غياب برامج منتظمة للتربية الجنسية ذات بعد حقوقي ومؤسساتي واضح، ما يجعل المعرفة المتداولة بين المراهقين معرفة غير مؤطرة ومجزأة، تستمد مصادرها من الأقران، والفضاء الرقمي، والخطاب الشعبي. هذا النمط من التنشئة غير المؤسسية لا يتيح بناء أدوات تحليل نقدي للعلاقات، ولا يعزز الفهم الدقيق لمفاهيم أساسية مثل الرضا، والحدود، والاختلال في توازن القوة، والحماية القانونية، مما يؤدي إلى هشاشة في اتخاذ القرار وإلى انخراط في تفاعلات محكومة بتمثلات جزئية أو مضلِّلة.
وبذلك، تتجلى المدرسة كفضاء ذي طبيعة مزدوجة: فهي من جهة مؤسسة يفترض أن تؤدي وظيفة وقائية وتكوينية، تعزز الوعي الحقوقي وتدعم قدرات الحماية الذاتية لدى الناشئة، ومن جهة ثانية حقل اجتماعي يعيد إنتاج اختلالات أوسع تمتد جذورها خارج أسوارها. ومن ثمّ، فإن تجاوز هذا التناقض يقتضي إعادة التفكير في وظيفة المدرسة، بحيث لا تظل مقتصرة على البعد المعرفي الضيق، بل تدمج ضمن مشروع اجتماعي-حقوقي شامل يعزز الحماية، ويقلص الهشاشة، ويعيد تنظيم شروط التفاعل داخل هذا الفضاء الحيوي.
الوساطة، التنازل، وسوق القضايا
في أفق سوسيولوجيا الانحراف، لا تفهم بعض القضايا ذات الطابع الجنائي باعتبارها مسارات قانونية مغلقة، بل بوصفها موضوعا لتفاوض اجتماعي متعدد المستويات. فالوساطة، في هذا السياق، لا تؤدي وظيفة الصلح فحسب، بل تشتغل كآلية لإعادة توزيع الكلفة الاجتماعية والرمزية للواقعة. إنها تنقل الحدث من دائرة التجريم المبدئي إلى دائرة التفاوض حول العواقب، وتعيد صياغة تعريفه داخل الحقل الاجتماعي.
حين تستثمر شبكات القرابة، ويفعَّل ضغط الجيران والوجهاء، ويطرح التعويض المالي كأداة جبر، فإن الملف يعاد تأطيره تدريجيا: من جريمة ضد قاصر تستوجب حماية عامة، إلى نزاع بين عائلتين قابل للتسوية. بهذا المعنى، لا يلغى الطابع الجنائي رسميا، لكنه يفرّغ من زخمه الرمزي عبر إدماجه في منطق إصلاحي يركز على إعادة التوازن الاجتماعي بدل تثبيت المسؤولية القانونية.
يمكن فهم هذه الدينامية في ضوء تحليل هاورد إس. بيكر لمسار تعريف الانحراف، حيث لا يختزل الفعل في طبيعته الموضوعية، بل يتحدد من خلال عمليات تصنيف وتفاوض تقوم بها جماعات فاعلة. فحين يتغير تعريف الواقعة من اعتداء إلى سوء تفاهم أو خطأ قابل للجبر، فإننا أمام إعادة إنتاج اجتماعي للمعنى، تؤثر مباشرة في مسار المتابعة.
كما أن هذا المسار يرتبط بإدارة الوصمة بالمعنى الذي صاغه غوفمان، إذ يصبح التنازل موردا تفاوضيا يهدف إلى تقليل الخسارة الرمزية للطرفين. العائلة تسعى إلى احتواء الفضيحة، والطرف الآخر يسعى إلى تخفيف الكلفة القانونية، وفي هذا التقاطع يتشكل ما يمكن تسميته بـ”سوق رمزي للقضايا”: فضاء غير رسمي تقايض فيه السمعة بالتعويض، والسكوت بالضمانات، والانسحاب من المتابعة باستعادة شكل من أشكال التوازن الظاهري.
غير أن الأثر البنيوي لهذا “السوق” يتجاوز أطراف القضية المباشرين. فعندما يصبح التنازل أداة اعتيادية، تتآكل وظيفة الردع العام، ويبعث برسالة ضمنية مفادها أن الحماية ليست مطلقة بل قابلة للمساومة ضمن شروط معينة. بذلك، تنتقل القضية من كونها شأنا عاما يمس النظام القيمي والقانوني، إلى ملف تفاوضي تحكمه اعتبارات الموقع الاجتماعي والقدرة على الحشد والضغط.
إن تفكيك هذه الدينامية يقتضي النظر إلى الوساطة لا بوصفها قيمة أخلاقية مجردة، بل كآلية اجتماعية تعمل داخل توازنات قوى محددة. ففي غياب ضمانات صارمة تفصل بين الصلح الاجتماعي والحق العام، قد تتحول الوساطة من أداة إصلاح إلى أداة لإعادة إنتاج الاختلال ذاته الذي يفترض أن تعالجه.