المشهد السياسي المغربي: بين تصدّع التحالف وبروز الحاجة إلى نفس سياسي جديد
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
طالب باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
لم يعد خافيا أن الساحة السياسية الوطنية تعيش على إيقاع تحولات عميقة، تتجلى ملامحها في تراجع منسوب الانسجام داخل الأغلبية الحكومية، وارتفاع منسوب الانتظارات المجتمعية في المقابل. فبعد فترة من الاستقرار النسبي الذي طبع انطلاقة التجربة الحكومية الحالية، بدأت مؤشرات التصدع تظهر بشكل أوضح، ما يطرح سؤالا جوهريا حول مستقبل التحالف الثلاثي، وقدرته على مواصلة تدبير المرحلة بنفس الزخم.
إن ما يسجل اليوم ليس مجرد اختلافات عابرة في وجهات النظر، بل هو تعبير عن اختلالات أعمق في منسوب الالتقائية السياسية بين مكونات التحالف، سواء على مستوى الرؤية أو الأولويات. وهو أمر قد يكون طبيعيا في التجارب الديمقراطية، لكنه يصبح مقلقا حين ينعكس على الأداء الحكومي، ويؤثر على سرعة ونجاعة تنزيل الإصلاحات.
في المقابل، يبدو أن هذا الوضع يفتح المجال أمام دينامية جديدة داخل المشهد السياسي، عنوانها البحث عن بدائل قادرة على استعادة الثقة وإعادة التوازن. فالمواطن، الذي يتابع تفاصيل هذا التوتر، لم يعد معنيا فقط بخلافات النخب، بقدر ما يهمه أثرها المباشر على قضاياه اليومية، من شغل وتعليم وصحة وقدرة شرائية.
ومن هنا، تبرز ملامح ما يمكن وصفه بـ”القوة الحية” الجديدة، التي لا ترتبط بالضرورة بشكلها التقليدي الحزبي، بل تتشكل من تفاعلات المجتمع، ومن أصوات تتطلع إلى خطاب سياسي أكثر وضوحا ومصداقية. إنها دينامية قد تعيد رسم موازين القوى، إذا ما وجدت التأطير المناسب، واستطاعت التحول من حالة نقد إلى قوة اقتراح.
غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في بروز هذه القوة، بل في قدرتها على التأثير الإيجابي، وعلى المساهمة في تجديد النخب السياسية، وضخ دماء جديدة في المؤسسات التمثيلية. فالتغيير في حد ذاته ليس غاية، بل وسيلة لإعادة بناء الثقة، وتحقيق نجاعة أكبر في تدبير الشأن العام.
إن المرحلة الراهنة تضع الجميع أمام مسؤولياته: الأغلبية مطالبة بإعادة ترتيب بيتها الداخلي، وتغليب منطق الانسجام على حساب الحسابات الضيقة، والمعارضة مدعوة إلى الارتقاء بأدائها لتكون بديلا حقيقيا، بينما يظل الرهان الأكبر على وعي المجتمع وقدرته على الدفع نحو إصلاح سياسي هادئ ومسؤول.
في النهاية، قد يكون ما نعيشه اليوم ليس أزمة بقدر ما هو مخاض لمرحلة جديدة، عنوانها إعادة تشكيل المشهد السياسي على أسس أكثر وضوحا وفعالية. فهل يتحول هذا التصدع إلى فرصة للتجديد، أم يكرّس مزيدا من العزوف وفقدان الثقة؟ الجواب يبقى رهينا بقدرة الفاعلين على قراءة اللحظة، والتفاعل معها بما يليق بتطلعات المغاربة.