ازدواجية الخطاب وتحوّلات الشرعية: ديناميات الحقل السياسي المغربي الراهن
بقلم د. هشام بوقشوش
باحث في علم الاجتماع
لا يمكن مقاربة ازدواجية الخطاب السياسي في المغرب الراهن باعتبارها مجرد تبدّل أخلاقي في المواقف، بل ينبغي فهمها داخل بنية المجتمع السياسي المغربي، حيث تتداخل منطق الدولة، وتوازنات الحقل الحزبي، ورهانات الشرعية الانتخابية، وأدوار الوساطة الاجتماعية. فالموقع – في الأغلبية أو المعارضة – لا يغير فقط مضمون الخطاب، بل يعيد تعريف وظيفة الفاعل السياسي داخل النسق.
في السياق المغربي الحديث، يتّسم الحقل السياسي بدرجة عالية من إعادة التموضع المستمر، سواء عبر التحالفات الحكومية المتحركة أو عبر إعادة تشكيل الاصطفافات الانتخابية. هنا يمكن استثمار تصور بيير بورديو للحقل السياسي بوصفه فضاء تنافسيا على احتكار تعريف المصلحة العامة. حين يكون الحزب في المعارضة، يميل إلى تعظيم الاختلالات الاجتماعية (القدرة الشرائية، البطالة، الفوارق المجالية) بهدف تراكم رأسمال رمزي نقدي يمنحه مشروعية تمثيلية. لكن عند انتقاله إلى موقع التدبير، يتحول الخطاب نحو تبرير القيود البنيوية (الإكراهات المالية، الظرفية الدولية، توازنات الميزانية)، ويعيد تأطير نفس القضايا بلغة الواقعية والمسؤولية. التناقض هنا يعكس تحوّلا في موقع الفاعل داخل الحقل، لا بالضرورة تحوّلا في قناعاته المعلنة.
في المجتمع السياسي المغربي، حيث تلعب الدولة دورا مركزيا في ضبط الإيقاع العام، تتخذ مسألة الشرعية طابعًا مركبا. فوفق تحليل ماكس فيبر لأنماط الشرعية، نلاحظ أن الفاعل في المعارضة يميل إلى استدعاء شرعية أخلاقية–احتجاجية، تبرز القرب من نبض الشارع وتنتقد سوء التدبير. أما في الأغلبية، فيتحول إلى استثمار الشرعية القانونية–العقلانية، متمسكا بمنطق المؤسسات، والأرقام، والاستمرارية.
في الحالة المغربية، يتقاطع هذا التحول مع حساسية خاصة تجاه الاستقرار السياسي، حيث يعاد تقديم السياسات بوصفها ضرورة لحماية التوازن العام، لا مجرد اختيار حزبي. وهنا يتبدل معيار الحكم على نفس القرار من زاوية العدالة الاجتماعية إلى زاوية المصلحة الوطنية.
من جهة أخرى، يكشف تواتر شيطنة الخصوم في الخطاب الحزبي المغربي عن استمرار صراع رمزي على تمثيل الإرادة الشعبية. يمكن هنا استحضار مفهوم الهيمنة عند أنطونيو غرامشي لفهم كيف يسعى كل فاعل إلى بناء سردية تجعل رؤيته للواقع تبدو طبيعية وبديهية. المعارضة تحاول تفكيك السردية الرسمية عبر إبراز الفوارق الاجتماعية أو محدودية أثر السياسات، بينما تسعى الأغلبية إلى إعادة تثبيت سردية الإنجاز والإصلاح التدريجي. في هذا الصراع، لا يكون الخلاف حول الوقائع فقط، بل حول تأويلها ومعناها داخل المخيال الجماعي.
أما من زاوية الفضاء العمومي، فإن التوتر الخطابي الذي يطبع بعض النقاشات السياسية والإعلامية في المغرب يعكس اختلالا في شروط التداول العقلاني كما صاغها هابرماس. فبدل أن يكون النقاش قائما على حجاج قابل للاختبار العمومي، يتحول أحيانا إلى خطاب تعبيئي يستثمر في الانفعال، خاصة عبر الوسائط الرقمية. هذا النمط يعزز الاستقطاب ويجعل المواطن يتلقى مواقف متناقضة دون إطار تفسيري واضح، مما يفاقم أزمة الثقة.
في السياق المغربي الراهن، حيث تتزايد انتظارات الفئات الوسطى والهشة، تلعب الشعبوية دورا لافتا في إعادة تشكيل الخطاب. بالاستئناس بأطروحة أرنستو لاكلو، يمكن القول إن الشعب يعاد بناؤه خطابيا ككتلة موحدة متضررة من سياسات غير عادلة حين يكون الحزب في المعارضة، ثم يعاد تعريفه كجماعة وطنية مطالبة بالصبر والمشاركة في الإصلاح حين يصبح الحزب في السلطة. يتغير موقع الخصم، لكن البنية الثنائية للخطاب تبقى حاضرة.
تنعكس هذه التحولات على مستوى الثقة السياسية. فحين يلاحظ المواطن المغربي أن نفس الفاعلين ينتقلون من خطاب راديكالي إلى خطاب تدبيري دون مسافة تفسيرية كافية، تتراجع قابلية التصديق. في هذا الإطار، يمكن استحضار تصور نيكلاس ليهمان للثقة كآلية لتقليص التعقيد: فالاتساق النسبي في المواقف يمكّن الأفراد من توقع السلوك السياسي. وعندما يغيب هذا الاتساق، يرتفع منسوب الشك، ويتحول التصويت إلى تعبير احتجاجي أكثر منه تفويضا برامجيا.
إن المجتمع السياسي المغربي الحديث يعيش إذن توترا بين منطق التنافس الانتخابي، ومنطق الاستقرار المؤسسي، ومنطق التدبير العمومي تحت إكراهات اقتصادية واجتماعية متزايدة. وازدواجية الخطاب ليست سوى أحد أعراض هذا التوتر البنيوي. تجاوزها لا يمر فقط عبر الدعوة إلى أخلاقيات سياسية مجردة، بل عبر ترسيخ ثقافة حزبية قائمة على الوضوح البرامجي، والمراجعة المعلنة للمواقف، وربط الخطاب بالمحاسبة. حينها فقط يمكن أن يتحول التداول على المواقع من تبادل للأدوار الخطابية إلى تداول حقيقي على الرؤى والمسؤوليات.