ديزي دروس في “هرس”.. مساءلة سياسية قوية للتحكم واصطدام التمرد بـ”منظومة مستحيلة التغيير”
أطلق الرابور المغربي ديزي دروس، مساء الثلاثاء، أغنيته الجديدة “هرس” عبر قناته الرسمية على يوتيوب، وهو عمل يتجاوز حدود أغنية الراب التقليدية ليتحول إلى خطاب بصري ورمزي يفتح أسئلة متعددة حول علاقة الفرد بالمنظومة، وحدود الطاعة، وجدوى المشاركة السياسية، في واحد من أكثر أعماله كثافة على مستوى الرسائل والدلالات.
ويحمل الكليب الجديد لغة بصرية مكثفة تقوم على الرموز والإشارات، حيث يظهر ديزي دروس داخل فضاء يشبه مؤسسة أو مركزا للتحكم، يجلس داخله أشخاص أمام الحواسيب يؤدون الحركات نفسها بشكل متزامن تحت مراقبة مستمرة، في مشاهد توحي بحالة من التوجيه الجماعي وإلغاء الفردانية، قبل أن يتحول ذلك الانضباط إلى حالة من التمرد والفوضى مع تقدم أحداث العمل.
ومن خلال كلمات الأغنية، يستحضر صاحب “مع العشران” صورة جيل يواجه واقعا اجتماعيا واقتصاديا صعبا، يتجلى في عبارات من قبيل “الماضي كحل والمستقبل مظلم” و”الشهر داز غا بالسيف” و”كنتسنا غا الدعم”، وهي تعابير ترسم ملامح الإحباط وضيق الأفق وصعوبة تحقيق الاستقرار المادي، مقابل الاكتفاء بالسعي وراء “النص” أو الحد الأدنى من الفرص والعيش الكريم.
وفي موازاة ذلك، يطرح العمل تساؤلات مرتبطة بالعلاقة بين المواطن والمؤسسات، من خلال اللازمة المتكررة “شنو طاريفك؟” و”بشحال Vota ليك؟”، وهي عبارات تبدو أقرب إلى مساءلة الجهات التي حصلت على ثقة الناخبين بشأن حصيلة وعودها ومدى تواصلها مع المواطنين.
ويعزز هذا المعنى مقطع “كتقطع لا صونا ليك، شحال گدو يبقى أليف”، الذي يوحي بحالة من التذمر تجاه تجاهل مطالب الناس أو عدم الاستجابة لهم بعد انتهاء لحظة التصويت، متسائلا إلى أي حد يمكن أن يستمر المواطن في موقع المتلقي الصامت أو “الأليف” في ظل غياب التفاعل مع انتظاراته.
وتبرز داخل الكليب رمزية الحمار الوحشي باعتبارها أحد المفاتيح الأساسية لفهم العمل، إذ يفتتح ديزي دروس الأغنية بسؤال حول هذا الحيوان، بينما تظهر شخصيات ترتدي ملابس مخططة بالأبيض والأسود شبيهة بألوانه، وهي صورة تحيل إلى حالة التشابه والتطابق داخل المنظومة التي يصورها الكليب، حيث يفقد الأفراد خصوصيتهم تدريجيا ويتحولون إلى نماذج متشابهة تتحرك وفق الإيقاع نفسه.
كما تتقاطع هذه الرمزية مع حضور ثنائية الأبيض والأسود بشكل لافت داخل العمل، في إحالة محتملة إلى عالم يقوم على الاستقطاب والثنائيات الحادة، أو إلى واقع تختلط فيه الحدود بين الطاعة والرفض، والانخراط في المنظومة أو التمرد عليها.
ويزداد هذا الطرح وضوحا مع ظهور آلة ضخمة تحمل عبارة “استيقظ الآن” قبل أن تتحول لاحقا إلى “نم الآن”، في مشاهد توحي بوجود جهة تتحكم في إيقاع الجماعة وتحدد متى تستيقظ ومتى تعود إلى حالة السكون.
هذا الوضع لا يستمر طويلا، إذ تنقلب الشخصيات على النظام الذي كانت تخضع له وتشرع في تحطيم المكاتب والأجهزة، في صورة تعكس انفجارا جماعيا في وجه القيود المفروضة عليها.
وفي النصف الثاني من الأغنية يتحول الخطاب نحو الصناعة الموسيقية نفسها، حيث يوجه ديزي دروس انتقادات لـ “الآليات” التي تحول الفنان إلى مادة استهلاكية منشغلة بالصراعات الجانبية بينما تستفيد جهات أخرى من العائدات الحقيقية. كما أن حديثه عن “كوپليات ملحنين” يحمل رفضا ضمنيا لضغوط السوق الفني الذي يفرض قوالب جاهزة على الفنانين مقابل التخلي عن خطابهم الخاص.
رغم مشاهد التمرد التي تطبع الجزء الأخير من الكليب، فإن النهاية تعود إلى النقطة التي انطلقت منها الأحداث تقريبا، في بناء دائري يوحي بأن المنظومة قادرة على إعادة إنتاج نفسها باستمرار، ويعزز هذا المعنى ظهور عبارة “Same thing all over again”، في رسالة تبدو أقرب إلى التشكيك في قدرة التغيير على كسر الحلقة نفسها التي يعاد تدويرها مرة بعد أخرى.
وبهذا الإصدار، يواصل ديزي دروس توظيف الراب كأداة للتعليق على قضايا المجتمع والسياسة والثقافة الشعبية، مقدما عملا جديدا يجمع بين الانتقاد الاجتماعي والرمزية البصرية، ويترك الباب مفتوحا أمام قراءات متعددة لرسائله ودلالاته.