تقرير: الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الوظائف بالمغرب ويكشف فجوة الاستيعاب

0

كشف تقرير استراتيجي مقارن أصدره المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة في شهر أبريل 2026 أن التحول الجاري للذكاء الاصطناعي لم يعد مسألة اختفاء وظائف فحسب، بل أصبح يعيد تركيب محتوى العمل داخل المهن القائمة في المنطقة العربية والإفريقية، مقدرا أن نحو 1.5 مليون منصب شغل في المغرب تقع تحت ضغط تحولي مرتفع في أفق سنة 2030، إلى جانب 3.1 ملايين منصب مرشحة لتحول مهني معتبر، و4.6 ملايين منصب ستتأثر بدرجات متفاوتة، مقابل قدرة تعويضية لا تتجاوز 180 ألف وظيفة رقمية جديدة، وهو ما يضع البلاد وباقي الدول الأربع المشمولة بالدراسة، وهي السعودية ومصر وتونس وكوت ديفوار، أمام رهانات مصيرية لمواجهة فجوة الاستيعاب بين التقدم التقني والقدرة المؤسسية.

وأوضح التقرير الإقليمي أن نسبة 2.2 في المئة من إجمالي التشغيل العربي توجد في منطقة المخاطر المرتفعة للأتمتة الكاملة، في حين تمتلك 14.6 في المئة من الوظائف إمكانات قوية للتعزيز بالذكاء الاصطناعي التوليدي، ما يعني أن محتوى نحو 8 ملايين وظيفة عربية قد يتغير بشكل جذري، مبرزا أن جبهة الأتمتة انتقلت من العمل اليدوي المتكرر إلى العمل المعرفي، لتمس قطاعات الإدارة والمالية والهندسة والقانون، حيث باتت الأنظمة الذكية قادرة على تجاوز مهام التوليد النصي نحو الإشراف والتحقق والتنسيق بين الوحدات التنظيمية، مما يعيد تشكيل القيمة داخل المهن البيضاء.

وأشار المركز في دراسته إلى أن الحالة المغربية تتسم بكونها وسطية حساسة، حيث يتركز الأثر في قطاعات الخدمات المعاملاتية وتصدير الخدمات، خاصة قطاع الأوفشورينغ ومراكز الاتصال الذي يضم أكثر من 148 ألف منصب، تقع 44 ألفا منها في منطقة الخطر المرتفع، ليمتد التأثير إلى البنوك والتأمينات وصناعة السيارات والنسيج والإدارة العمومية، مبينا أن الفئات الأكثر تضررا ستكون من فئة الشباب ضمن وظائف الدخول التي تعد بوابة الاندماج المهني، إضافة إلى النساء اللواتي يتركزن بنسبة عالية في القطاعات الأكثر تعرضا للأتمتة.

وبينت الوثيقة الاستراتيجية أن الاقتصاد غير المهيكل في المغرب، الذي يشكل 67.6 في المئة من مجموع التشغيل، لا يمثل مجرد متغير تصحيحي يخفف من الصدمة المباشرة للأتمتة، بل يشكل ساحة إدماج استراتيجية تتطلب تدخلات عاجلة، لأن بقاء هذه الفئة خارج دوائر الحماية وإعادة التأهيل يحرمها من مكاسب التعزيز الإنتاجي ويوسع هوة التفاوتات، مؤكدة أن التحدي الحقيقي لا يكمن في اتساع التحول التكنولوجي وحده، بل في الفجوة العميقة بين سرعة إعادة تشكيل العمل وسعة القدرة الوطنية على استيعابه من خلال توفير المواهب الرقمية وبرامج إعادة التأهيل المكثفة.

وتابع التقرير رصده للآفاق المستقبلية في المغرب لما بعد سنة 2030، متوقعا دخول موجة ثانية ترتبط بالروبوتيك في أفق سنة 2035، والتي ستعيد تعريف ميزة العمل منخفض الكلفة في قطاعات الفلاحة والصناعة واللوجستيك وتجارة التقسيط، حيث قدر الخبراء أن حوالي 1.6 مليون منصب إضافي ستتفاعل مع هذه الموجة، لترتفع المناصب ذات الخطر المرتفع إلى 2.9 ملايين، والمناصب المتأثرة إجمالا إلى قرابة 8 ملايين، مما يحتم ضرورة تحويل الذكاء الاصطناعي إلى رافعة لترقية الإنتاجية بدل أن يتحول إلى محور جديد للتمايز الاجتماعي.

وأكدت الدراسة المقارنة في تحليلها للحالة السعودية أن المملكة تمثل نموذج التعرض المرتفع المقترن بالقدرة العالية على الاستيعاب، إذ تواجه 23 في المئة من وظائفها خطرا تحوليا، لكنها تستند إلى استثمارات ضخمة تناهز 20 مليار دولار في البيانات والذكاء الاصطناعي، ومشاريع سيادية ضخمة توفر إطارا متكاملا للتحول، مشيرة إلى أن الرهان السعودي يرتكز على إعادة تصميم الوظائف ومواءمة وتيرة التحول مع قاعدة المهارات المحلية لتجنب الاستقطاب المهني وتقليص الاعتماد على العمالة الأجنبية في الوظائف الدنيا لصالح أدوار إشرافية وتحليلية ذات قيمة أعلى للمواطنين.

وسجل المصدر ذاته أن جمهورية مصر العربية تواجه مسارا مختلفا يبدأ الضغط فيه من بوابة الدخول إلى سوق العمل، حيث ترتفع نسبة التعرض إلى 17 في المئة في ظل سوق ضخم يضم 31 مليون مشتغل وجهاز إداري عمومي يضم 5.5 ملايين موظف، محذرا من أن الخطر الأكبر يتمثل في تضييق فرص الخريجين الجدد في الحصول على وظائف مبتدئة روتينية كانت تشكل ممرهم الأول للاندماج المنظم، وهو ما يفرض على مصر تحدي الحفاظ على جاذبية المسار المهني الأول في ظل بنية قطاعية مزدوجة يطغى عليها الاقتصاد غير المنظم.

وأبرز المركز في مقاربته للحالة التونسية أنها تمثل نموذجا يمتلك رأسمالا بشريا متقدما ضمن سوق في طور التعميق، بنسبة تعرض تبلغ 16 في المئة تؤثر بشكل مباشر على نحو 620 ألف منصب، مبينا أن الميزة التنافسية التونسية القائمة على توفير مهارات تقنية بكلفة منخفضة أصبحت قابلة للتآكل أمام زحف الأتمتة على مجالات البرمجة والاختبارات والفندقة والصناعة، ليتجسد الرهان الاستراتيجي الأكبر لتونس في قدرتها على تثبيت الكفاءات محليا للحد من نزيف هجرة الأدمغة الذي يقدر بآلاف المهندسين سنويا.

وأضاف التقرير في قراءته لواقع كوت ديفوار أن البلاد تسجل أقل نسبة تعرض مباشر بحدود 8 في المئة، نظرا لكون 89 في المئة من اقتصادها يوجد ضمن الشريحة غير المهيكلة، غير أن هذا الانخفاض لا يعكس هامش أمان استراتيجي بل مؤشرا على ضرورة التبكير ببناء القدرات الرقمية والمؤسسية، موضحا أن مشاريع التحول الرقمي الحكومية والمالية ستنقل حتما أجزاء واسعة من الاقتصاد نحو المعالجة الآلية، مما يتطلب إدماجا تدريجيا وشاملا لتفادي تخلف الفئات الهشة، كالمزارعين والنساء في التجارة، عن ركب الاندماج التكنولوجي.

وحذرت الهيئة البحثية من أربعة مخاطر استراتيجية قد تخلق فوضى انتقالية في الدول الخمس إذا تفوق التقدم التقني على قدرة التكيف، في مقدمتها فجوة الأجيال المهنية الناتجة عن تآكل وظائف البداية، والانحياز الخوارزمي الذي قد يعيد إنتاج التفاوتات والاستبعاد، مروراً بالهيمنة التقنية وتحول الاقتصادات الإقليمية إلى مجرد مستهلكين للحلول الخارجية، وصولا إلى تهديدات الأمن والسيادة في ظل غياب القدرة المحلية على التحكم في البنية التحتية والبيانات للأنظمة الذكية الحساسة.

وخلص المركز الإفريقي إلى تقديم حزمة من التوصيات السياساتية، داعيا صناع القرار إلى بناء هندسة وطنية لمهارات الانتقال المهني تتجاوز التعليم التقليدي نحو برامج تأهيلية مكثفة، مع ضرورة التدخل لحماية وظائف السلم المهني الأول، وتحديث أنظمة الحماية الاجتماعية لتصبح قابلة للنقل وتستوعب الأنماط الجديدة من العمل المنصاتي والمستقل، مشددا في الوقت ذاته على أهمية ضبط الاستخدام الخوارزمي بقواعد تنظيمية صارمة، وإنشاء مراصد حية لأسواق العمل ترصد التحولات المهنية في الزمن الحقيقي لتوجيه الاستراتيجيات الوطنية بشكل استباقي.