بين القرار والواقع: هل ما زالت السياسة قريبة من نبض الشارع؟
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
طالب باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
في الوقت الذي يعيش فيه المواطن المغربي تحت ضغط يومي متزايد، تتراكم فيه تحديات المعيشة، من غلاء الأسعار إلى صعوبة إيجاد فرص الشغل، يبرز سؤال مركزي لا يمكن تجاهله: هل ما زالت الطبقة السياسية تعيش نفس هذا الإحساس؟ وهل ما يُتخذ من قرارات يعكس فعلا نبض الشارع؟
المتابع للشأن العام يلاحظ، في كثير من الأحيان، وجود مسافة غير معلنة بين الخطاب السياسي والواقع المعيش. فبينما يتحدث البعض بلغة الأرقام والمؤشرات، ينشغل المواطن بلغة الحياة اليومية، حيث تقاس الأمور بقدرته على تلبية حاجياته، لا بنسبة النمو أو حجم الاستثمارات. هذه المفارقة تطرح إشكالا حقيقيا في التواصل، وربما في الفهم أيضا.
ليست المشكلة في وجود صعوبات فذلك أمر طبيعي في كل المجتمعات بل في الإحساس بأن من يتخذ القرار لا يعيش دائما نفس تفاصيلها. حين يشعر المواطن أن صوته لا يصل، أو أن معاناته لا تُترجم إلى سياسات ملموسة، تتسع فجوة الثقة، ويبدأ الإحساس بالبعد في الترسخ.
وقد تجلت هذه الفجوة في عدد من المواقف والتصريحات التي اعتُبرت بعيدة عن الواقع، أو غير منسجمة مع ما يعيشه المواطن فعليا. وهو ما يعكس، في جزء منه، ضعف قنوات التواصل، أو غياب آليات فعالة لالتقاط نبض الشارع بشكل دقيق ومستمر.
إن القرب من المواطن لا يعني فقط الظهور الإعلامي أو الخطاب، بل يتجسد في القدرة على فهم أولوياته، والاستجابة لها، وإشراكه في النقاش حولها. فالسياسة، في جوهرها، ليست إدارة للأرقام فقط، بل إدارة لتوقعات الناس وآمالهم.
وفي المقابل، لا يمكن إغفال أن هناك مجهودات تبذل، وإصلاحات تطلق، لكن التحدي يظل في جعل أثرها محسوسا، وفي تقليص المسافة بين من يقرر ومن يعيش النتائج. فكلما ضاقت هذه المسافة، تعززت الثقة، واستعاد العمل السياسي معناه.
في النهاية، قد لا تكون الفجوة بين السياسة والشارع قدرا محتوما، بل نتيجة يمكن معالجتها بإرادة حقيقية في الإصغاء، والتواصل، والتصحيح. لأن السياسة التي لا تنصت… تخاطر بأن تُفهم بشكل خاطئ، أو ألا تُفهم أصلا.
فهل تنجح المرحلة المقبلة في إعادة وصل ما انقطع؟ أم ستستمر هذه المسافة في الاتساع، بصمت؟