وزير “النمذجة” وحكومة الزلات: حين يتحول الخطأ إلى مشهد متكرر
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
طالب باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
فاعل جمعوي
في السياسة، قد تمر بعض الهفوات بشكل عابر، وقد تغتفر زلات اللسان حين تكون استثناء. لكن حين تتحول الأخطاء إلى مشهد متكرر، يصبح من حق المواطن أن يتساءل: أين هي الكفاءة التي قدمت للمغاربة كعنوان لهذه المرحلة؟
آخر هذه المشاهد، كان بطلها وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، السيد محمد سعد برادة، خلال حديثه داخل البرلمان، حين قال إن “التلميذ يفهم كيفاش خصو يدير يفهم كيفاش يدير”، في تصريح أثار موجة واسعة من السخرية والاستغراب، ليس فقط بسبب الصياغة المرتبكة، بل لأن الأمر يتعلق بوزير يقود أحد أكثر القطاعات حساسية في الدولة: قطاع التعليم.
قد يبدو الأمر للبعض مجرد زلة لسان، لكن رمزية الموقع تجعل المسألة أكبر من مجرد تعثر لغوي. فوزير التعليم ليس مسؤولا عاديا، بل يفترض أن يكون قدوة في الخطاب، والدقة، والقدرة على إيصال الأفكار بشكل واضح ومفهوم. لأن المدرسة ليست فقط مقررات وبرامج، بل أيضا صورة وهيبة ورسالة.
ما يزيد من حدة الجدل، أن هذه الواقعة لا تأتي في سياق معزول، بل ضمن سلسلة من التصريحات والسلوكات التي جعلت حكومة “الكفاءات” تبدو، في نظر كثير من المواطنين، وكأنها تعيش ارتباكا متواصلا في التواصل والتدبير. حكومة جاءت بخطاب يعتمد على الخبرة والنجاعة، لكنها وجدت نفسها أكثر من مرة مادة للتندر بسبب زلات وتصريحات يصعب استيعابها أو الدفاع عنها.
والمفارقة أن المواطن المغربي، الذي كان ينتظر خطابا سياسيا أكثر جدية ووضوحا، أصبح في كثير من الأحيان يتابع بعض التصريحات بمنطق الفرجة أكثر من النقاش السياسي. وهنا تكمن الخطورة، لأن هيبة المؤسسات لا تبنى فقط بالقرارات، بل أيضا بطريقة الحديث والتواصل واحترام ذكاء المواطنين.
ولعل أفضل ما يختصر هذا المشهد هو المثل الشعبي المغربي: “الفقيه اللي نتسناو براكتو دخل الجامع ببلغتو”. فحين يأتي من يفترض فيه التصحيح ويقع في الخطأ، يصبح الإحباط مضاعفا. لأن الناس كانت تنتظر من حكومة الكفاءات أن ترفع مستوى الخطاب والممارسة، لا أن تضيف مزيدا من الارتباك إلى مشهد أصلا يعاني من ضعف الثقة.
إن المغاربة لا ينتظرون من المسؤولين الكمال، فالخطأ وارد في كل وقت، لكنهم ينتظرون على الأقل قدرا من الجدية والرصانة والوعي بثقل المسؤولية. لأن المسؤول، مهما بدا الأمر بسيطا، يمثل الدولة ومؤسساتها، وكلماته ليست مجرد حديث عابر.
وفي قطاع كالتعليم، تصبح الرمزية أكثر حساسية. فكيف يمكن الحديث عن إصلاح المدرسة، إذا كان الخطاب نفسه يثير كل هذا الجدل؟ وكيف يمكن إقناع التلميذ بأهمية التعلم، إذا كانت بعض التصريحات القادمة من أعلى هرم القطاع تتحول إلى مادة للسخرية؟
في النهاية، قد تمر “النمذجة” كما مرت غيرها من الزلات، لكن السؤال الحقيقي يبقى أعمق: هل ما زالت حكومة الكفاءات تقنع المغاربة بأنها تملك فعلا ما يكفي من الكفاءة لقيادة هذه المرحلة؟ أم أن كثرة الزلات بدأت تكشف فجوة بين الشعار والواقع؟
لأن أخطر ما يمكن أن يقع في السياسة، ليس الخطأ فقط… بل أن يتحول الخطأ إلى عادة.