بين أن تكون على حق… وأن تحافظ على الناس
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
من السهل أن يكون الإنسان على حق، لكن الأصعب أن يحافظ على الناس وهو يدافع عن هذا الحق. فكثير من الخلافات لا تبدأ لأن أحد الأطراف ظالم، بل لأنها تدار بطريقة تجعل الانتصار للرأي أهم من الحفاظ على العلاقة، وإثبات الموقف أهم من الوصول إلى الحل.
لقد أصبحنا نعيش في زمن يعتقد فيه البعض أن التراجع عن موقف، أو اختيار الحوار بدل المواجهة، نوع من الضعف. والحقيقة أن القوة ليست في كسب كل معركة، وإنما في معرفة أي المعارك تستحق أن تخاض، وأيها يكفي فيها قليل من الحكمة وكثير من التعقل.
فالإنسان قد يكون محقا في بيته، لكنه يخسر أسرته بسبب قسوة كلماته. وقد يكون محقا في عمله، لكنه يفقد زملاءه لأنه لا يعرف كيف يعبر عن رأيه باحترام. وقد يكون محقا في السياسة، لكنه يخسر ثقة الناس عندما يتحول الاختلاف إلى خصومة، والرأي إلى صراع.
إن المشكلة ليست في الدفاع عن الحق، فالحق قيمة لا ينبغي التفريط فيها، وإنما في الطريقة التي ندافع بها عنه. فالكلمة نفسها قد تبني جسرا إذا قيلت بحكمة، وقد تهدم علاقة عمرها سنوات إذا خرجت في لحظة غضب.
ولذلك، فإن الحكماء عبر التاريخ لم يكونوا أولئك الذين انتصروا في كل نقاش، بل الذين عرفوا كيف يحافظون على كرامتهم وكرامة الآخرين في الوقت نفسه. لأن الغاية من الحوار ليست أن نهزم من أمامنا، بل أن نقترب جميعا من الحقيقة.
وفي الحياة العامة، تزداد هذه الحكمة أهمية. فالمجتمعات لا تبنى بمنطق الغالب والمغلوب، وإنما بثقافة الحوار والتوافق والقدرة على الإصغاء. فالسياسي الذي لا يسمع إلا صوته، والمسؤول الذي لا يرى إلا رأيه، والفاعل الذي يرفض كل نقد، قد يكسب جولة، لكنه يخسر ثقة الناس مع مرور الوقت.
أما داخل الأسرة، فإن أجمل العلاقات ليست تلك التي لا تعرف الخلاف، بل تلك التي تعرف كيف تديره. فليس المطلوب أن ينتصر الزوج على زوجته، أو الأب على أبنائه، وإنما أن ينتصر الجميع للعلاقة نفسها، لأنها أثمن من أي جدال عابر.
لقد علمتنا الحياة أن كثيرا من الأشخاص ندموا على كلمات قالوها في لحظة انفعال، ولم يندموا لأنهم كانوا على خطأ، بل لأنهم خسروا أشخاصا كانوا يستحقون أسلوبا أفضل. فالحقيقة يمكن أن تقال بأكثر من طريقة، والاحترام لا ينتقص من قوة الموقف، بل يزيده قوة.
إن النضج الحقيقي لا يظهر عندما يكون كل شيء على ما يرام، بل عندما تختلف مع غيرك، ثم تختار أن يكون اختلافكما سببا للفهم لا للقطيعة، وللتقارب لا للعداء. فليس كل انتصار في النقاش نجاحا، إذا كان ثمنه خسارة إنسان.
وفي النهاية، سيبقى الناس يتذكرون كيف جعلتهم يشعرون أكثر مما سيتذكرون تفاصيل ما قلته لهم. ولذلك، فإن الحكمة ليست فقط في أن تكون على حق، بل في أن تجعل الحق طريقا لبناء العلاقات، لا لهدمها.
فليس أعظم الانتصارات أن تثبت أنك كنت محقا، بل أن تحافظ على احترام الناس، وأن تخرج من كل خلاف وقد ربحت الحقيقة… وربحت الإنسان أيضا.